نستقبل آرائكم ومقتراحاتكم وملاحضاتكم حول محافظتنا العزيزة ___ ادراة الموقع غير ملزمة بنشر جميع الرسائل المرسلة الى بريدنا الالكتروني info@kerbalatoday.com

 

 

 

 

في ذكرى ولادته المباركة في الثالث عشر من شهر رجب المرجب:

 

حكومة الامام

نــــــــــزار حيدر

 

   للامام علي بن ابي طالب عليه السلام، فلسفة في الحكم، تختلف جذريا عن فلسفة الاخرين، فاذا كانت السلطة، بنظر غيره، وسيلة عامة من اجل تحقيق اهداف خاصة، فانها، براي الامام، وسيلة عامة لتحقيق اهداف عامة، فالموقع، من وجهة نظره، مسؤولية يخولها الناس للمندوب لينجز ما يريدونه من اهداف انسانية نبيلة تنتهي بهم الى تحقيق حياة حرة كريمة، والى نهاية ترضي الله تعالى وتكسبهم رضوانه في الاخرة، فهي وكالة خاصة من الامة للمندوب الذي تختاره في الزمان والمكان المحددين.

   هذه المسؤولية، لا زالت هي بالوكالة وليست بالاصالة، لا يتهالك عليها الامام ولا يتآمر من اجل ان ينالها، ولا تسيل الدماء انهارا من اجل ان يتربع على عرشها، ولا يقتل الاخ اخاه والاب ابنه من اجل ان ينالها الاقوى منهم، وانما يجب ان تاتي للحاكم بانسيابية وشفافية من خلال رضا الناس وقبولهم وقناعتهم، فعندما يريد الناس، يكون الامام حاكما، وعندما تقوم الحجة ويحضر البرهان، يتصدى الامام للقيادة، فيقيم حكومته بالاعتماد على رضا الناس وارادتهم، يقول عليه السلام {اما والذي فلق الحبة، وبرا النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما اخذ الله على العلماء الا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، لالقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكاس اولها، ولالفيتم دنياكم هذه ازهد عندي من عفطة عنز}.

   لذلك، لم يذهب الامام الى الحكومة يطلبها لنفسه، وانما جاءته تزحف على ركبتيها متوسلة به ان يقبلها، وصدق من قال يصف الامام والخلافة (ان الخلافة لم تزين علي بن ابي طالب، وانما هو الذي زين الخلافة).

   يقول الامام عليه السلام واصفا امر الخلافة التي جاءته بقوله {فما راعني الا والناس كعرف الضبع الي، ينثالون علي من كل جانب، حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم} ويضيف في موقف آخر يذكر فيه الناس حقيقة موقفه من الخلافة، خشية نسيانهم للوقائع {والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية اربة، ولكنكم دعوتموني اليها، وحملتموني عليها} وهو القائل قولته المشهورة عندما جاءه الناس يريدون مبايعته للخلافة {دعوني والتمسوا غيري}.

   لقد كان الامام على استعداد لان يكون كاحد الرعية، اذا لم يكن حاكما، من دون ان يدفعه ذلك الى التآمر على الحكومة او افشال خططها او عرقلة مشاريعها، بل كان على استعداد لان يكون الاصلح من بين كل المواطنين، شريطة ان تنتخب الامة الحاكم، فلا يفرض عليها بقوة السلاح او يصل الى سدة الحكم بسرقة مسلحة (انقلاب عسكري) او يرثها عن ابيه، فالمهم عند الامام رضى الرعية عن حاكمها، لانه عليه السلام مع ارادة العامة، بغض النظر عن صحة اختيارها من عدمه، وهو عليه السلام يحاول، بهذا المفهوم، ان يعلم الامة معنى الالتزام وتحمل مسؤولية الراي والصوت الذي يمنحه المرء الى اي شاء، ليكون حريصا على رايه، فلا يبيعه او يتاجر به او يساوم عليه، يقول عليه السلام {وان تركتموني فانا كاحدكم، ولعلي اسمعكم واطوعكم لمن وليتموه امركم، وانا لكم وزيرا خير لكم مني اميرا}.

   ولقد قبل الامام الحكومة، ليس من اجل ان يثرى من المال العام، او ان يتبجح باللقب، او ان يامر وينهي او يستاسد على الرعية، او ان يقرب هذا ويبعد ذاك على اساس القربى والعشيرة والانتماء الحزبي او المناطقي، او ان ينتقم ممن ظلمه واغتصب حقه فيما مضى من الليالي والايام، او ان يظلم ويتجاوز على حقوق الرعية، او ان يتصرف بالمال العام كما لو انه ارثا من ابيه او امه، ابدا، وانما كما قال عليه السلام {لم تكن بيعتكم اياي فلتة، وليس امري وامركم واحد، اني اريدكم لله وانتم تريدونني لانفسكم.

   ايها الناس، اعينوني على انفسكم، وايم الله لانصفن المظلوم من ظالمه، ولاقودن الظالم بخزامته، حتى اورده منهل الحق وان كان كارها} ويقول عليه السلام متحدثا عن شديد حساسيته من الظلم الذي لم يتورط به، فكان يتنازل عن حقه الخاص لصالح الحق العام، خشية ان يظلم احدا من العباد {والله لان ابيت على حسك السعدان مسهدا، او اجر في الاغلال مصفدا، احب الي من ان القى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد، وغاصبا لشئ من الحطام، وكيف اظلم احدا لنفس يسرع الى البلى قفولها، ويطول في الثرى حلولها} ويقول في موقع آخر {الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه} فلا محاباة ولا اثرة ولا محسوبية ولا رشاوى ولا فساد مالي واداري ولا تمييز بغير عدل وانصاف ابدا.

   بل انه عليه السلام رفض ان يكتفي من الحكومة بعنوانها من دون ان يشارك الطبقة المستضعفة حياتهم اليومية، فكيف للامام ان يتمتع بـ (الكهرباء) والفقراء من رعيته يتحسرون عليها؟ وكيف له ان يتلذذ بطعم برودة الهواء والناس يتضورون من الحر؟ وكيف له ان يشبع بطنه والفقراء لا يجدون قوت يومهم فينام اطفالهم جياعا؟ وكيف له ان يتمتع بالمال الوفير والجاه العريض والناس لا يعرفون كيف يكملوا نصف شهرهم برواتبهم البسيطة؟ وكيف له ان يعيش في القصور والابراج العاجية، والناس يقضون حياتهم في الاكواخ وفي بيوت الطين؟ وكيف له ان يتمتع بملذات الدنيا من الملبس والماكل والمركب، والرعية لا تجد ما تلبسه او تركبه؟ يقول عليه السلام {فوالله ما كنزت من دنياكم تبرا، ولا ادخرت من غنائمها وفرا، ولا اعددت لبالي ثوبي طمرا، ولا حزت في ارضها شبرا، ولا اخذت منه الا كقوت اتان دبرة، ولهي في عيني اوهى واهون من عفصة مقرة،.... ولو شئت لاهتديت الطريق، الى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات ان يغلبني هواي، ويقودني جشعي الى تخير الاطعمة، ولعل بالحجاز او اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع، او ابيت مبطانا وحولي بطون غرثى واكباد حرى، او اكون كما قال القائل:

           وحسبك داء ان تبيت ببطنة                 وحولك اكباد تحن الى القد         

ااقنع من نفسي بان يقال: هذا امير المؤمنين، ولا اشاركهم في مكاره الدهر، او اكون اسوة لهم في جشوبة العيش؟ فما خلقت ليشغلني اكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة، همها علفها، او المرسلة شغلها تقممها، تكترش من اعلافها، وتلهو عما يراد بها، او اترك سدى، او اهمل عابثا، او اجر حبل الضلالة، او اعتسف طريق المتاهة}.

   لم يكن الامام عاجزا عن نيل المنى، ولكنها المسؤولية وتقوى الله تعالى التي تحول بينه وبين ان يميز نفسه عن الرعية بغير حق.    

   وعلى الحكومة، من وجهة نظر الامام، تقع اربع مسؤوليات استراتيجية، وهي:

   اولا؛ المسؤولية الاقتصادية، وما يترتب عليها من ايجاد فرص العمل والقضاء على البطالة، واستصلاح الاراضي، وتنمية الصناعات الغذائية على وجه التحديد، وتامين الحد المناسب للعيش الحر الكريم، لكل مواطن.

   ثانيا؛ المسؤولية الامنية، وما يترتب عليها من محاربة جماعات العنف والارهاب والقضاء على الجريمة المنظمة، والدفاء عن البلاد والعباد من مخاطر العدوان الخارجي، لتامين حياة آمنة ومستقرة، للناس، كل الناس.

   ثالثا؛ المسؤولية التعليمية والتربوية، من خلال مشاريع القضاء على الامية والجهل والتخلف، وتامين فرص التعليم والبحث، وايجاد المناخ المناسب لتطوير مهارات الناس، بما يساهم في تطوير المجتمع وتنميته، وبما يساهم في الاخذ بادوات المدنية والحضارة، مع الاخذ بنظر الاعتبار، تطور الزمن، وحاجات كل جيل.

   رابعا؛ مسؤولية البناء والاعمار المادي، من خلال اطلاق مشاريع الاستثمار والتطور العمراني، بما يساهم في القضاء على ظاهرة الازمات المادية المستفحلة كالسكن والنقل والتلوث البيئي، وغير ذلك.

   ولقد لخص الامام عليه السلام هذه المسؤوليات الاستراتيجية الاربع، في بداية عهده الى مالك الاشتر عندما ولاه مصر، بقوله {هذا ما امر به عبد الله علي امير المؤمنين، مالك بن الحارث الاشتر في عهده اليه، حين ولاه مصر: جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح اهلها، وعمارة بلادها}.

   وبقراءة متانية ودقيقة لهذه المهام، يلحظ المرء انها مترابطة ترابطا عضويا وثيقا مع بعضها، اذ لا يمكن لاحدها الانفكاك عن الاخرى، وبمعنى آخر، فان هذه المهام، اما ان تعمل الحكومة على تحقيقها كحزمة واحدة، واما انها ستفشل في حمل المسؤولية.

   ان الهدف الاسمى لاية حكومة، هو تحقيق السعادة للمجتمع، من خلال توفير فرص العيش الحر الكريم لكل شرائحه، من النساء والرجال والكبار والصغار والقادر والعاجز، وكذلك العامل وغير العامل، وان هذا لا يتم الا من خلال العمل على انجاز هذه المسؤوليات الاربع بالتوازي وبالتساوي، ليتم انجازها، او العمل على انجازها، دفعة واحدة، لانها تكمل بعضها البعض الاخر.

   ومن اجل تحقيق هذه المسؤوليات الاستراتيجية الاربع، يرى الامام ما يلي:

   اولا؛ ان يكون الحاكم رؤوفا برعيته، يحبهم ليحبونه، ويلطف بهم، فلا يكن سبعا ضاريا يتصيد الفرص لياكل حقوقهم، يقول عليه السلام، في عهده الى محمد بن ابي بكر حين قلده مصر {فاخفض لهم جناحك، والن لهم جانبك، وابسط لهم وجهك، وآس لهم في اللحظة والنظرة} ويقول عليه السلام موصيا مالك الاشتر في عهده اليه عندما ولاه مصر {واشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم اكلهم، فانهم صنفان، اما اخ لك في الدين، او نظير لك في الخلق} والعبارة الاخيرة تؤسس لفلسفة المواطنة في حكومة الامام، فلا تمييز ولا طبقية ولا درجات في تصنيف الجنسية (المواطنة) فالكل في حكومة الامام مواطنون من الدرجة الاولى، ولكل الحق في ان يعيش ويعمل ويدرس ويتاجر ويسافر في ظل حياة حرة وكريمة وآمنة، لا فرق بين المواطنين لا على اساس الدين او المذهب او القومية، ولا على اساس المناطقية او الحزبية او التوجه الفكري والسياسي والثقافي، ففي ظل حكومة الامام لا توجد محاصصة تحرم الكفاءات والطاقات والخبرات من فرص العمل والانتاج والابداع، وتاليا تحرم البلد والمجتمع من طاقات خلاقة تحاول ان تتبوأ مكانها الطبيعي لتنتج وتخدم، كما انه ليس للحزبية الضيقة (العصبية المقيتة) مكانا في حكومة الامام، فلا يفضل شرار قومه على خيار قوم آخرين، فقط لانهم ينتمون الى الحزب الذي ينتمي اليه، واولئك لا ينتمون.

   ثانيا؛ ان لا يفكر الحاكم بظلم رعيته، ابدا، فالظلم يقصيه عن الموقع، طال الزمان ام قرب، كما ان الظلم يزيل الدول عن مواقعها، ولذلك جاء في الماثور {يدوم الحكم مع الكفر، ولا يدوم مع الظلم} لان المهم عند الناس هو عدل الحاكم وليس دينه، فالناس تامن في ظل العدل، وتبيع وتشتري وتتاجر وتتعلم وتامن على حياتها وتامن على مستقبل اولادها في ظل العدل، بغض النظر عن هوية الحاكم ودينه، والى هذا المعنى اشار رسول الله (ص) عندما امر المسلمين بالهجرة الى الحبشة بعد الظلم والعسف الذي تعرضوا له على يد صناديد قريش والكافرين والمشركين، عندما قال لهم، لان {بها ملكا عظيما لا يظلم عنده احد} من دون ان يشير الى دينه او قوميته او مذهبه، فالمهم عند الرسول هو ان يكون الحاكم عادلا، وليكن دينه، بعد ذلك، ما يكون.

   ماذا ينتفع الناس بصلاة الليل التي يؤديها الحاكم اذا كان ديدنه ظلم رعيته؟ وماذا ينفعهم صيامه اذا كان متجاوزا على حقوقهم؟ وماذا يستفيد الناس من دين الملك اذا كان ظالما للعباد، آكلا للحقوق لا يرعى فيهم الا ولا ذمة؟.

   لماذا ترك ملايين المسلمين بلدانهم (المسلمة) ومجتمعاتهم (المتدينة) وحكوماتهم (الاسلامية) ولجؤوا الى بلاد الغرب (المسيحية)؟ ابسبب الدين؟ ام المذهب؟ ام ماذا؟ بالتاكيد ليس بسبب كل هذا، وانما بسبب الظلم الذي تمارسه الحكومات القائمة في بلدانهم، ولو كان العدل حاكما في بلاد المسلمين، لما لجا مسلم الى بلاد الغرب، ولما هاجرت مسلمة بلادها.

   يقول الامام عليه السلام {انصف الله وانصف الناس من نفسك، ومن خاصة اهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك، فانك الا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله ادحض حجته، وكان لله حربا حتى ينزع او يتوب، وليس شئ ادعى من تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من اقامة على ظلم، فان الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد} ولكم، ايها الحاكمون، في الطاغية الذليل صدام حسين ونظامه الشمولي الديكتاتوري البائد، خير دليل وبرهان على ما يقوله الامام عليه السلام.

   ثالثا؛ على الحاكم ان يحترم الراي العام، فلا يتجاوزه او يحاول تجاهله، فالراي العام يعني، عادة، الاغلبية من الشعب، وهو يعبر، عادة، عن راي جمعي يحتاجه الحاكم اذا اراد ان يقيم سلطانه بالعدل وبعيدا عن القهر والقوة وسوط الجلاد.

   ان الحاكم الصالح لا يحاول ارضاء الاقلية على حساب الاغلبية، كما انه لا يسعى الى اسكات الوسائل التي تعبر او تحاول التعبير عن الراي العام، مثل وسائل الاعلام المختلفة من صحف ومجلات وقنوات اعلامية واذاعات، ومنابر اعلامية وثقافية وفكرية وفنية اخرى، بالاضافة الى الكتاب والمكتبة والرواية والقصة والمسرح والسينما وغيرها.

   ان الحاكم الذي يصب كل اهتماماته من اجل ارضاء الخاصة (الاقلية) وان كان على حساب العامة (الاغلبية) سيفشل في اقامة السلطة العادلة، فهو من اجل ارضاء الخاصة سيستعمل السيف لاسكات العامة، ولذلك فان حاكما همه رضى الخاصة سيتعب من دون ان يحقق ما يريد من اهداف الرعية، يقول الامام عليه السلام {وليكن احب الامور اليك اوسطها في الحق، واعمها في العدل، واجمعها لرضى الرعية، فان سخط العامة يجحف برضى الخاصة، وان سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة، وليس احد من الرعية اثقل على الوالي مؤونة في الرخاء، واقل معونة له في البلاء، واكره للانصاف، واسال بالالحاف، واقل شكرا عند الاعطاء، وابطا عذرا عند المنع، واضعف صبرا عند ملمات الدهر من اهل الخاصة، وانما عماد الدين، وجماع المسلمين، والعدة للاعداء، العامة من الامة، فليكن صغوك لهم، وميلك معهم}.

   البلاد، اذن، لا تقوم الا بالعامة (الاغلبية) وان الحاكم الذي يريد ان يريح ويستريح عليه ان يميل مع الاغلبية وليس مع الاقلية، ولقد حاولت الحكومات العراقية التي تعاقبت على الحكم في بغداد، منذ سقوط الصنم ولحد الان، تحقيق ما اطلقوا عليه بالمصالحة الوطنية، من خلال الاصغاء الى الخاصة (الاقلية) من القيادات والزعامات، فلم تنجح، حتى اذا قررت الحكومة الحالية، اخيرا، ان تميل مع العامة (الاغلبية) فتصغ الى رغباتهم وتستمع الى مطاليبهم وتسعى لتحقيق امانيهم، اذا بجل المهمة قد تحققت، لان الاوطان بالعامة وليس بالخاصة، بالاضافة الى ان رضى الخاصة مشروط ومسور باماني ومطاليب عراض، اما رضى العامة فمعقول ومقبول، في آن.

   ومن اجل ان يكون الحاكم كذلك، لابد من الشفافية في التعامل مع الرعية، فاذا اشيع عنه ما يطعن في وفائه مثلا، او في امانته واخلاصه، او في نزاهته، او ما الى ذلك، عليه ان يبادر الى توضيح الموقف، علنا ومن دون تدليس او كذب او تلفيق او حتى تضخيم او تهويل، وبكل وضوح وشفافية، فلا يتردد في ذلك او يرفض الظهور امام الناس بحجة ان ذلك يقلل من شانه او يجرأهم على السلطان، ابدا، فوضوح العلاقة بين الحاكم والمحكوم، يساهم بشكل فاعل وكبير في بناء الثقة بينهما، وتاليا يساعد الحاكم على النجاح والانجاز وتخطي المشاكل، لان الرعية التي تتفهم حقائق الحاكم، تكون عونا له، اما التي لا تعرف عنه شيئا، فتظل تحوم حوله الدعايات والشائعات، فستكون عونا عليه وليس له، يقول الامام عليه السلام {وان ظنت الرعية بك حيفا فاصحر لهم بعذرك، واعدل عنك ظنونهم باصحارك، فان في ذلك رياضة منك لنفسك، ورفقا برعيتك، واعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق}.

   رابعا؛ لبطانة الحاكم العادل صفات خاصة، اذا توفرت فيهم نجحت وانجحت الحاكم، والعكس هو الصحيح، فالبطانة الجاهلة التي يتخذها الحاكم لنفسه ليس على اساس الخبرة والكفاءة والامانة، وانما محاباة واثرة، فانها تهلك (بفتح التاء) وتهلك (بضم التاء) فالحاكم بمستشاريه، ولذلك قيل (قل لي من مستشاروك، اقل لك من انت) لان افكار وبرامج ومشاريع الحاكم هي نتاج مجموع  افكار فريق المستشارين، فماذا سينتج هذا الفريق اذا كان قطيع من الجهلة والاميين، بلا خبرة وبلا تجربة؟.

   ان التالية صفاتهم ادناه، ممنوعون من المشاركة في فريق المستشارين، مهما قربوا رحما من الحاكم، او كانوا ينتمون الى حزب الحاكم منذ القدم، او كانوا ممن ضحوا من اجل تحقيق التغيير، فالملاك ليس كل هذا، وانما الخبرة والدراية والعقل المدبر والتجربة وسعة الافق.

   يقول الامام عليه السلام {ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل، ويعدك الفقر، ولا جبانا يضعفك عن الامور، ولا حريصا يزين لك الشره بالجور، فان البخل والجبن والحرص غرائز شتى، يجمعها سوء الظن بالله}.

   والاخطر من المستشارين، وزراء الحاكم، فهؤلاء، كذلك، يجب ان يختارهم الحاكم بمواصفات خاصة، فلا يتخذ من هب ودب وزيرا في حكومته، ولذلك فان المحاصصة تدمر ارادة الحاكم ولا تدعه يختار الافضل من بين الناس لوزاراته، كما ان المداراة والترضيات والرشوة (السياسية) وغير ذلك، كلها لا تمنح الحاكم حرية اختيار الوزراء باحسن صورة ومن افضل الناس والطبقات، يقول الامام عليه السلام {ان شر وزرائك من كان للاشرار قبلك وزيرا، ومن شركهم في الاثام، فلا يكونن لك بطانة، فانهم اعوان الاثمة، واخوان الظلمة}.

   اذا كان في نية الحاكم الصالح ان يستوزر اعوان الظلمة، فماذا بقي من التغيير اذن؟ ولماذا التغيير بالاساس؟ اوليس التغيير يعني استبدال العقول والاراء والمناهج والادوات، ومنها الرجال؟ فلماذا اللجوء الى ذات الادوات لتحقيق المنهجية الجديدة؟ واساسا، هل يمكن تحقيق ذلك، وهل يعقل مثل هذا؟.

   يتحجج البعض بان التغيير لا يجد بسهولة ادواته الجديدة، الا ان الامام عليه السلام يرد على هذا التصور بقوله عليه السلام {وانت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم واوزارهم وآثامهم، ممن لم يعاون ظالما على ظلمه، ولا آثما على اثمه، اولئك اخف عليك مؤونة، واحسن لك معونة، واحنى عليك عطفا، واقل لغيرك الفا، فاتخذ اولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك}.

   ولكن:

   متى يجد الحكم الجديد البديل من الرجال للاستيزار؟.

   ان هذا النوع من الرجال موجودون في وسط الامة وفي بحرها المتلاطم، فالامة تزخر بالخبرات والكفاءات والعناصر الامينة، وليس في الحزب الحاكم او عند اقارب السلطان، ابدا، اذ ان الاغلبية من الناس لا ينتمون الى حزب معين وانما يفضلون الاستقلالية في العمل، ولذلك فاذا اراد الحاكم ان يكتشف معادن الرجال فيستوزر الافضل منهم على مبدا (الرجل المناسب في المكان المناسب) فان عليه ان لا يكون حزبيا شديدا، كما يجب ان لا ينظر الى اقاربه وعشيرته واهل محلته ومدينته فقط، فالرجال الرجال قد لا تجدهم في الحزب او في المحلة او في صفوف العشيرة والاقارب، ولكنك ستجدهم حتما جزما في الامة، كل الامة، ولما كانت الحكومة لكل الامة والسلطة لكل المجتمع، ولذلك يجب ان يبحث الحاكم عن وزرائه من بين صفوف المجتمع، كل المجتمع، فلا ينظر الى شريحة دون اخرى، وان لا يحكم الحزبية او الطائفية او الدين والقومية ، كمعايير عندما يريد ان يختار رجاله، والا فسيضطر الى تعيين غير الكفوء في المكان غير المناسب.

   كذلك، فان اراد الحاكم ان يشكل وزارة قوية ومتماسكة وناجحة، فان عليه ان يتخذ من القول التالي للامام عليه السلام، هاديا ومنارا.

   يقول عليه السلام {ثم ليكن آثرهم عندك اقولهم بمر الحق لك، واقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لاوليائه، واقعا ذلك من هواك حيث وقع،  والصق باهل الورع والصدق، ثم رضهم على ان لا يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله، فان كثرة الاطراء تحدث الزهو، وتدني من العزة}.

   اذن، فالحاكم العادل لا يتخذ من المداحين وزيرا، ولا من الذين شغلهم الاطراء فقط لولي النعمة، اصاب ام اخطا، فهو في نفسه، خادم الملك وليس خادم الباذنجان، كما في تلك القصة المعروفة.

   ان الحاكم الذي يطرب على الاطراء ويتمتع بالمديح ويغفو على طبطبة الوزير على ظهره، لهو حاكم فاشل من المستحيل عليه ان يكتشف نجاحه من فشلة، وصواب رايه من خطله، لانه ممدوح من قبل الوزراء على اية حال، وانهم يطرونه بكل الاشكال، وفي كل الاحوال.

   ان الحاكم الصالح، هو الذي يتسع صدره للنقد، ويستوعب التاشير على الخطا او الفشل، واذا كان يضيق صدره بمر الحق من اقرب وزرائه، فهو من نقد البعيد او الرعية اضيق.

   هذا من جانب، ومن جانب آخر، فان الحاكم العادل، هو الذي يتحمل المسؤولية كاملة اذا اخطا وزيرا من وزرائه او قصر، لانه هو المسؤول عنه مباشرة، فلا يتهرب من المسؤولية اويسعى لالقاء اللوم على وزيره اذا سرق او اخطا او قصر، من دون اظهار المسؤولية.

   لقد كان الامام يتحمل مسؤولية استيزار وزرائه، فاذا اخطاوا مرة فانه لا يلومهم فقط وانما يتحمل مسؤوليتهم كاملة، ثم يبين ما يجب ان يكون عليه الوزير، ليوضح للرعية بانه لم يامره بمثل هذا الخطا او يطلب منه مثل هذا التقصير، فهو عليه السلام، عندما سمع بان عامله على البصرة، عثمان بن حنيف الانصاري، قد دعي الى وليمة قوم من اهلها فمضى اليها، لم يكتف عليه السلام باقالته، وانما بالغ في توبيخه واسهب في شرح علة الخطا والتقصير الذي وقع فيه، اذ لم يحاول التبرير له خشية على سمعته او سمعة حكومته، كما انه عليه السلام لم يحاول ان يخفي ذلك على العامة خشية ان (تطلع عيونها) فتتجرا على الحاكم وتتعلم النقد والمراقبة والمحاسبة، وكل ذلك امر خطير على الحكومة، ابدا، بل انه هو الذي بادر الى الكشف عن الخطا ببيان رئاسي واضح وصريح وقوي، ليكون الوزير عبرة لغيره ولنفسه.

   خامسا؛ للنجاح شروط جمة، واول هذه الشروط، هو تمييز الحاكم بين الناجح والفاشل من وزرائه، وبين الصادق والكاذب منهم، وبين المتمكن والعاجز، وبين الكفوء عن غيره، اما اذا كان الجميع سواسية عنده، فما الذي يشجع الناجح للاستمرار في نجاحاته؟ وما الذي يحث الكفوء على التميز؟.

   ان هذا ليس بمحل المساواة، بل انه موقع المكافاة بعد العدل، وان من الظلم والاجحاف ان يساوي الحاكم بين المسؤولين على اساس العمر مثلا او الانتماء او الولاء، ابدا، وانما المطلوب هنا ان يمايز الحاكم بينهم على اساس الانجاز وحسن الاداء والنجاح والتفوق في العمل القائم على اساس الحرص والخبرة والكفاءة والقابلية والنشاط والهمة.

   يقول الامام عليه السلام {ولا يكونن المحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء، فان في ذلك تزهيدا لاهل الاحسان في الاحسان، وتدريبا لاهل الاساءة على الاساءة، والزم كلا منهم ما الزم نفسه}.

   في هذا الاطار، يجب ان نستحضر مبدا الاحترام والتكريم للناجح ليعي الفاشل مسؤوليته ويتحسس تقصيره، ولينتبه الناس الى اهمية النجاح فيندفعوا صوبه، ولذلك ابتكرت الامم الناجحة مبدا التكريم للذين يقدمون شيئا ما لهم ، فانما هو تكريم للنجاح وللانجاز الى جانب تكريم الشخص.

   حتى القران الكريم ذكر هذا المبدا في العديد من الايات والسور، كما ان الرسول الكريم كان يهتم كثيرا بتكريم الصحابة الذين يتميزون على بقية اقرانهم، وان التكريم لا يكون للاموات فحسب، كما تفعل امتنا (العربية المجيدة) فهي لا تكرم الرجل الا بعد وفاته، ولا تتذكره الا بعد رحيله، ففي حياته لا يلبس وساما على صدره، اما اذا مات فيملا صدره بالنياشين.

   كذلك، فان التكريم يجب ان يكون بشكل صحيح وواقعي، فلا يكرم الا الناجح، ولا يستذكر الا من ينجز ما ينفع المجتمع، وليس كما كان يفعل الطاغية الذليل صدام حسين، والذي ظل يملا صدور القادة العسكريين المهزومين اوسمة ونياشين، حتى ضجت بها صدورهم المريضة.

   التكريم، تنبيه الى امر هام، ولذلك يجب ان يكون حقيقيا وللناس الحقيقيين الذين يستحقونه، وليس على اساس الصداقة او صلة القربى او الانتماء الحزبي، او الانتماء الى المحلة او المدينة الواحدة، ابدا.

   وان من اعظم الاوسمة التي يقدمها الحاكم للناجحين، هو حسن الظن بهم، ولذلك يقول الامام عليه السلام {وان احق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده، وان احق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده}.

   هذه هي بعض ملامح الحكومة العادلة التي نتطلع اليها بشغف، والا......فلا، وان تغيرت العناوين وتبدلت الاسباب والالقاب والازياء.

 

   14 تموز 2008

 

 

 

     

حتى يغيروا

(10)

الوفاء..إيمان

نــــــــزار حيدر

 

قراءة في حلقات

 

   ان العراق الجديد الذي يحتاج الى ثقافة جديدة، لا بد ان تعتمد التغيير الذاتي اولا.

   هذا ما اتفقنا عليه في الحلقات الماضية من هذه القراءة.

   وقلنا، بان من الثقافات التي يحتاجها العراق الجديد، هي؛

  اولا: ثقافة الحياة

  ثانيا: ثقافة التعايش

  ثالثا: ثقافة المعرفة

  رابعا: ثقافة الحوار

  خامسا: ثقافة الجرأة

  سادسا: ثقافة الحب

  سابعا: ثقافة النقد

  ثامنا: ثقافة الحقوق

  تاسعا: ثقافة الشورى

  عاشرا: ثقافة الاعتدال

 

حادي عشر: ثقافة الوفاء

   متى يفي المرء بوعده؟ ومتى يخلف؟.

   اذا اعتبر المرء، ان الوعد مسؤولية في رقبته، فانه سيفي به مهما كان الثمن، اما اذا كان الوعد في فهمه، طريق للفرار من اللحظة الحرجة، وانه مجرد لقلقة لسان وكلام قد يضطر اليه في وقت الشدة، فانه سوف لن يفكر في الوفاء به حتى اذا كان الثمن بسيطا جدا.

   الاسلام يعتبر ان الوفاء مسؤولية، يجب ان يفي بها المرء، فصاحب الدين لا ينكث بوعده، وذو المروءة لا ينقض عهده، كما ان ذي الشهامة لا يتهرب من وعد يقطعه لاحد، وان كان طفله الصغير، فالوفاء دليل الصدق والامانة.

   تاسيسا على ذلك، يجب علينا ان نتعلم كيف نفي بوعودنا فلا ننقلب عليها بذرائع شتى، كما ان علينا ان نعلم اولادنا الوفاء بالوعد وعدم نكث عهد يقطعونه على انفسهم او لغيرهم، فان من علامات المروءة الوفاء بالعهد والالتزام بالوعد، ولذلك خلد الله تعالى هذه الصفة (الوفاء بالوعد) عند نبيه اسماعيل عليه السلام بقوله {واذكر في الكتاب اسماعيل انه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا} ليتعلمها بني البشر، فيتخذون من نبيه قدوة واسوة في التحلي بها كواحدة من اعظم المناقبيات التي يجب ان يتصف بها المرء، خاصة صاحب الدين والاخلاق الحسنة والصفات الفاضلة.

   ان للوفاء مراتب، كالصبر والايمان والتقوى، وغيرها من الصفات الحسنة، فكيف يمكن لنا ان نرتقي بانفسنا لأعلى مراتب الوفاء؟ وعدم الاكتفاء بالمستويات الدنيا منه؟.

   اعتقد ان ذلك ممكن من خلال ما يلي؛

   اولا: لا شك ان للتربية اثر كبير في تنمية هذه الخصلة الحميدة في انفسنا، ولذلك يجب ان نهتم بتربية اولادنا على هذه الخصلة منذ الصغر، فلا نستهين بقابليتهم على التعلم منا، او لا نعير اهمية لقدراتهم على التطبع على القيم الحسنة، فـ (التعلم في الصغر كالنقش على الحجر) كما ورد في الماثور.

   وطريقة التربية هنا، في ان نفي بكل وعد نقطعه لهم، فلا نشعرهم باننا نعدهم بامر ما ليس من اجل ان نفي به، وانما من اجل ان نخدعهم او نتهرب منهم لحظة الحاحهم او اصرارهم على شئ، او من اجل ان نستدرجهم لانجاز امر ما فقط، فاذا ما تم لنا ذلك، هربنا من الوعد واخلفنا عهدنا معهم، ان كل ذلك يطبع في اذهانهم صورة سيئة جدا عن معنى الوفاء، وبالتالي سيكبر الصغير ويشب وهو يتصور بان قطع الوعد على النفس واعطاء العهد للاخرين لا يعني الا الهرب، وهو لا يعني الالتزام والوفاء ابدا، وفي الكبر سيمثل هكذا انسان اسوا صور النكث بالعهد وعدم الالتزام بالوعد، اي بمعنى آخر سيكون، في هذه الحالة، النموذج في الكذب وعدم الصدق وربما الخيانة.

   والاسوا من ذلك، عندما يتعلم الصغير ان قطع العهد يتزامن، في اللحظة ذاتها، مع قرار خفي بنكثه، اي انه يعطي عهدا بالعلن ويقرر النكث سرا في آن واحد، وهو ما نسميه بعدم الوفاء بالعهد مع سبق الاصرار، وتتولد هذه الحالة عند المرء عندما تتكرر تجاربه مع والديه في عدم الوفاء بالعهد وعدم التزامهما بالوعود التي يقطعونها له، وتلك هي الطامة الكبرى، كما يقولون.

   ان من مسؤوليتنا الدينية والاخلاقية والتربوية، ان نعلم اولادنا كيف يفون بوعودهم، كما علينا ان نعلمهم بان لا يقطعوا وعدا الا بعد ان يتيقنوا بانهم قادرون على الوفاء به، ليعذروا انفسهم اذا ما اضطروا الى نكثه لسبب من الاسباب خارج عن ارادتهم.

   على الاب ان يسعى للوفاء بوعده لابنه، او بعضه على الاقل، اذا ما وعده بلعبة، مثلا، اذا انجز مهامه المنزلية او اكمل واجباته المدرسية في المنزل، وان على الام ان تسعى جاهدة من اجل ان تفي بوعدها لبنتها اذا ما وعدتها بنزهة، مثلا، اذا ما ساعدتها في مهامها المنزلية، وان على الاخ الاكبر ان يفي بوعده لاخيه الصغير، والبنت الكبيرة لاختها الصغيرة، وهكذا، ليكون الحاكم في الجو العائلي هو الوفاء بين الجميع، لتنمو عندهم هذه الملكة، فيشبوا وتشب معهم هذه الخصلة الحميدة، فيكبروا اوفياء، وان من الجريمة الكبرى ان يحاول احدهم نكث وعده لاي منهم بحجة النسيان او التغافل او صغر سن الموعود بشئ، فتكرار نكث الوعد سينمي في النفوس عدم الثقة وتكذيب احدهم للاخر، وتاليا سينمي في النفوس ظاهرة النفاق، ان عاجلا ام آجلا، وتلك هي اخطر الصفات التي يمكن ان يشب عليها الانسان، بسبب النكث المتكرر للعهود والوعود.

   ولا ننسى هنا اهمية الوفاء بالعهود بين الاباء والامهات انفسهم، خاصة امام الابناء، فان ذلك، هو الاخر، ينمي عندهم معنى الوفاء والالتزام بالعهد والوعد.

   ولنتعلم ونعلم ابناءنا الوفاء من العباس بن على امير المؤمنين عليهم السلام، والذي رباه ابوه على الوفاء منذ الطفولة، فترجمها واقعا عملاقا في كربلاء، عندما وقف الى جانب اخيه سيد الشهداء السبط الامام الحسين بن علي عليهم السلام في يوم عاشوراء، ليخلد خصلة الوفاء في كل حين، عندما نقرا في زيارته ونقول {فجزاك الله افضل الجزاء واكثر الجزاء واوفر الجزاء واوفى جزاء احد ممن وفى ببيعته واستجاب له دعوته واطاع ولاة امره}.

   لقد وفى العباس عليه السلام بعهده الذي قطعه على نفسه ولربه وابيه الامام امير المؤمنين عليه السلام، بالرغم من كل الظروف القاسية التي مر بها، وبالرغم، كذلك، من الاغراءات العظيمة التي عرضت عليه، والتي وعدته بحماية نفسه من القتل والهلاك، ان ترك السبط وشانه، الا ان ارادته كانت هي الاقوى، وان ايمانه كان هو الحاكم، فتغلب على كل شئ، ليفي بوعده، فخلده التاريخ وخلدته الاجيال.

   ثانيا: والى جانب التربية، فان للثقافة دور مهم في تنمية صفة الوفاء عند الانسان، من خلال التغذية الثقافية على اهمية الوفاء ودوره في صياغة شخصية المرء، وكيف ان الوفاء بالوعد يبني للانسان شخصية محبوبة في المجتمع يثق بها الناس، لدرجة انه يتحول، بمرور الزمن ومع تراكم تجارب الناس معه، الى شخصية فذة مطلوبة لقضاء حوائج الناس ولحل مشاكلهم، وفض النزاعات فيما بينهم، وتلك نعمة كبيرة وعظيمة يمنها الله تعالى على عبده، عندما يجعل له بين الناس لسان صدق، اي يصدقه الناس عندما يقول ويثق به الناس عندما يعد، والى هذا المعنى يشير الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام بقوله {الا وان اللسان الصالح يجعله الله تعالى للمرء في الناس، خير له من المال يورثه من لا يحمده}.

   ان الوفاء هو الذي يحدد معالم شخصية الانسان في المجتمع، وما يشتهر به بين الناس، فملازمة الوفاء للمرء في المجتمع يطبع في ذهن الاخرين عنه صفات الصدق والثبات عند القول والالتزام، وانجاز ما يعد، والعكس هو الصحيح، فان نكث الوعد يرسم صورا قاتمة عنه، بمعنى آخر، فان الوفاء وعدمه هما اللذان يمنحان المرء الاعتبار في المجتمع، وكما هو معلوم فان المرء باعتباره الذي يبنيه بمرور الايام والسنين، وليس بهندامه او هيكله او زيه، فكم من الناس الذين اذا رايتهم يسيرون في الشارع، يعجبك منظرهم وهندامهم و (وقارهم) فاذا سالت عنهم من الاخرين، رمقوهم بالسنة حداد بسبب ضعف اعتبارهم في المجتمع وشهرتهم بين الناس في عدم الوفاء والالتزام بالوعود والعهود، فيما ترى في احيان كثيرة اناس لا يعجبك من منظرهم شئ، فاذا سالت عنهم لم تسمع من الاخرين الا كل خير ومديح، لشهرتهم بين الناس بالوفاء والالتزام بالعهد والوعد.

   ثالثا: يجب ان نتذكر بان الوفاء بالوعد لا يكون مع الصديق فقط، بل حتى مع العدو، فالوعد مسؤولية شرعية يجب ان يلتزم بها المرء لا زال انه قطعه على نفسه امام الاخر، مهما كان هذا الاخر، اما تصور البعض من ان عدم الوفاء بالوعد المقطوع  لغير المسلم مثلا او لغير الملتزم بتعاليم الاسلام، فريضة، فهو تصور خاطئ لا اساس له من الصحة ابدا، بل ان عدم الوفاء بالوعد المقطوع للاخر المخالف، يعد في احيان كثيرة بمثابة الخيانة لما يسبب من توهين للدين وتضعيف لمصداقية المتدين، وبالتالي سيكون سببا الى زرع الشك في صفوف المجتمع، خاصة الذي يتشكل من شرائح اجتماعية مختلفة الدين والمذهب والاثنية وغير ذلك، ونحن في العراق باحوج ما نكون الى ان تشيع بيننا ثقافة الوفاء بالعهود والوعود لتشيع بيننا روح الثقة والثقة المتبادلة، وتاليا، روح التسامح والعفو والمحبة، فالوفاء هو حجر الزاوية في بناء مجتمع تسوده الثقة المتبادلة بين ابنائه.

   ان سيرة الرسول الكريم (ص) تحدثنا عن التزامه بالعهود والمواثيق مع اليهود والنصارى، بل والمشركين، كالتزامه بها مع اقرب الناس اليه من المؤمنين والمؤمنات، فالرسول الذي يقول عن نفسه {ادبني ربي فاحسن تاديبي} لا يمكن ان ينكث وعدا قطعه لذمي او حتى لمشرك، فالوفاء من اخلاق الله تعالى التي ادب بها رسوله الكريم، وكلنا نعرف التزام الرسول (ص) بعهد (صلح الحديبية) الذي وقعه مع مشركي مكة، ولولا ان نكث المشركون بنود الوثيقة، لظل الرسول (ص) ملتزما بها الى يوم يبعثون، لان الوعد والعهد في وعي الرسول الكريم دين يجب الالتزام والوفاء به، وهكذا يجب ان يكون بالنسبة لنا، فنلتزم بالوعد والعهد مع الجميع بغض النظر عن اختلاف الدين والمذهب والقومية والاتجاه الفكري والسياسي، وغير ذلك.

   رابعا: وان اكثر من يجب ان يكون وفيا بعهده ووعده، هم الزعماء والقادة، ومن يمثل الناس في موقع من مواقع المسؤولية، اولئك الذي يصلون اليها من خلال صندوق الاقتراع، اي على اجنحة راي الناس بعد ان يعدونهم بمشاريع وخطط ومناهج والتزامات، يمنحهم الناس ثقتهم على اساسها، ولذلك فان على امثال هؤلاء ان يفوا بوعودهم ويلتزموا بوعودهم، فيكونوا اوفياء للناس من خلال التزامهم بوعودهم، والا فانهم سيخسرون صوت الناس وثقتهم ورايهم، وتلك هي، والله، اعظم الخيانة، اولم يقل رسول الله (ص) {اعظم الخيانة، خيانة الامة} وهل خيانة الامة الا الانقلاب على الوعود والعهود التي يقطعها المسؤول على نفسه امامها.

   ان بعض المسؤولين يتعهدون للناس باي شئ في ايام الانتخابات، فقط من اجل ان يكسبوا صوتهم ويحصلوا على رايهم وتاييدهم، فاذا حصلوا على مرامهم وعلى ما يريدون ووصلوا الى سدة الحكم والسلطة، انقلبوا على كل عهد قطعوه، اي انهم ينكثون عهودهم مع سبق الاصرار، وهؤلاء يمثلون اسوا صور الخائنين والافاكين الذي يقولون ما لا يفعلون، ويتعهدون بما لم يفكروا في الالتزام به، انهم المنافقون الذين يسخرون صوت الناس للوصول الى مآربهم واهدافهم الشخصية، وان نموذجهم التاريخي هو معاوية بن ابي سفيان الذي قال للناس في اول خطبة خطبها في مسجد الكوفة بعيد توقيعه على وثيقة (الصلح) مع ريحانة رسول الله (ص) الامام الحسن بن علي المجتبى عليه السلام، بقوله (الا وان كل شئ اعطيت الحسن بن علي تحت قدمي هاتين، لا افي به)  وان على العراقيين ان يحذروا امثال هؤلاء، فلا يمنحونهم الثقة في المرات القادمة، حتى اذا تابوا لهم واقسموا امامهم الايمان المغلضة ووعدوهم بتغيير اسلوبهم واستبدال نهجهم النفاقي، فالذي يستغل ثقة الناس مرة للوصول الى الموقع لخدمة ذاته، يمكن ان يكرر فعلته الشنيعة هذه مرة اخرى واخرى، ولذلك فان على العراقيين ان يحذروا المنافقين، فلا يصدقوا وعودهم مرة اخرى.

   ان المرء الصالح هو الذي لا يعد حتى يكون قادرا على ان يفي، فهو حر لا زال لم يعد، اما اذا وعد، فلا بد ان يفي لانه سيكون عبدا بوعده، كما يشير الى ذلك الامام علي بن ابي طالب عليه السلام بقوله {المسؤول حر حتى يعد} فالوعد عبودية، فتيقن لمن تسلم نفسك ومتى واين؟.

   لقد شدد امير المؤمنين عليه السلام في عهده الى مالك الاشتر رحمه الله عندما ولاه مصر، شدد عليه ان يفي بكل عهد يقطعه مهما كانت الظروف، فان ذلك احمد للعاقبة واحسن للرعية وللدولة على حد سواء، يقول عليه السلام {وان عقدت بينك وبين عدوك عقدة، او البسته منك ذمة، فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالامانة، واجعل نفسك جنة دون ما اعطيت، فانه ليس من فرائض الله شئ الناس اشد عليه اجتماعا، مع تفرق اهوائهم، وتشتت ارائهم، من تعظيم الوفاء بالعهود، وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر، فلا تغدرن بذمتك، ولا تخيسن بعهدك، ولا تختلن عدوك، فانه لا يجترئ على الله الا جاهل شقي، وقد جعل الله عهده وذمته امنا افضاه بين العباد برحمته، وحريما يسكنون الى منعته، ويستفيضون الى جواره، فلا ادغال ولا مدالسة ولا خداع فيه}.

   وفي القران الكريم آية في غاية الروعة، وهي تتحدث عن النتيجة الطبيعية لنكث العهد وعدم الالتزام بالوعد، يقول الله عز وجل في محكم كتابه الكريم {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين* فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون* فاعقبهم نفاقا في قلوبهم الى يوم يلقونه بما اخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون}.

   انها آية رائعة ربطت بين ثلاث قضايا لا تنفك عن بعضها ابدا، مهما فعل الانسان، وهي:

   اولا؛ ان الله تعالى يمنح الانسان بالمقدار الذي يتعهد به امامه، ولذلك يجب ان يفي المرء بما تعهد به لربه عز وجل.

   ثانيا؛ اذا اخل المرء بالتزاماته واخلف الوعد، فان نتيجة ذلك اصابته بالنفاق الذي سيلازمه الى يوم يلقى الله عز وجل، اي الى يوم القيامة.

   ثالثا؛ وان النفاق الذي سيصيبه، يلازمه الكذب، كذلك، فالنفاق والكذب توامان لا ينفصلان عن بعضهما مهما اجريت من عمليات جراحية على المريض، لانهما من فعل الله عز وجل.

   وبقراءة سريعة لنماذج اخلفت وعودها، سنقرا فيها هذه الحالة (النفاق والكذب) بشكل واضح لا لبس فيه، ولذلك فان علينا جميعا ان نحذر نكث العهد واخلاف الوعد، لانه يعقب النفاق والكذب في نفوسنا، اي اننا سنتطبع بالنفاق والكذب اذا ما اخلفنا الوعد ولم نف بالعهد.

   ولقد لخص القران الكريم رايه بالعهد في نصف آية بقوله عز وجل {واوفوا بالعهد ان العهد كان مسؤولا} فالوفاء بالعهد دين، وهو مسؤولية، ويجب ان نتعامل معه على هذا الاساس فقط، فالعهد ليس لقلقة لسان، كما انه ليس طريقا للهرب في اللحظة الحرجة، فاذا وعدت في واذا عاهدت التزم، فذلك دليل الايمان، والعكس هو الصحيح، فنكث العهد نفاق وعدم الالتزام بالوعد خيانة وعدم ايمان.

   ان على القادة والسياسيين في العراق الجديد، اذا ارادوا ان لا يصابوا بالنفاق والكذب، ان يتحاشوا التهرب من مسؤولياتهم ووعودهم التي قطعوها امام الله تعالى للناس الذين منحونهم ثقتهم فصوتوا لهم، وان النفاق والكذب صفتان معنويتان وليستا ماديتان ليحتج احد منهم بانه لا يرى ذلك في ملابسه او في جيبه او على راسه او على مقعد سيارته، انهما شيئان معنويان يصاب بهما المرء (الخائن) الذي لا يفي بعهوده ان عاجلا ام آجلا، قد لا يرى المرء بنفسه اثرهما السيئ،  الا ان الاخرين، بكل تاكيد، يرون ذلك راي العين، وعندما يسقط  مثل هذا المرء في اعين الناس وينعتونه بانه امرء غير ثقة، فلا يصدقونه ولا يتعاملون معه ولا يعتمدون على كلامه، عندها يجب ان يعترف (الخائن) بانه بدا يقطف نتيجة خيانته ثمارا فاسدة لا تصلح للاكل.

   4 تموز 2008

 

  يتبع

 

العرب والعراق، حقيقة الجفاء

نـــــــــــــــــزار حيدر

 

   على الرغم من أن الحكومة العراقية، أثبتت، خلال الأشهر الست الأخيرة، وبامتياز، على أنها؛

   أولا؛ حكومة وطنية تتعامل مع كل العراقيين بالتساوي ومن دون تمييز، سواء على صعيد خطط فرض القانون أو على صعيد قوانين العفو العام في إطار مشروع المصالحة الوطنية، أو على صعيد مشاريع التنمية، سواء تلك المتعلقة بإعادة البناء والاعمار أو بما يتعلق بتعويض ضحايا النظام والإرهاب، فهي حكومة وطنية وغير طائفية أو دينية أو حتى عنصرية، كل المواطنين بنظرها سواسية أمام القانون، لا يميزهم عرق أو جنس أو دين أو مذهب.

   ثانيا؛ إنها حكومة قادرة على إعادة الهيبة إلى الدولة من خلال نجاحها الملفت للنظر في خطط فرض القانون في جل مناطق العراق خاصة تلك التي كانت تسمى إلى الأمس القريب بالساخنة والملتهبة أو حتى بالمتمردة، إذ نجحت الحكومة في خطط أمنية تصورها البعض بادئ الأمر بأنها نوع من التهور الذي يورطها بما لا يحمد عقباه، لدرجة أن الكثيرين وقتها وقفوا متفرجين على ما تصنعه الحكومة، إن لم يكونوا من ضمن المحتجين أو المهاجمين الذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها بذريعة أو بأخرى، إلا أن نجاح الحكومة في خطط أمنية إستراتيجية خاصة في البصرة والموصل، اضطر أمثال هؤلاء إلى أن يعيدوا النظر في تقديراتهم، بل في نظرتهم للحكومة.

   ثالثا؛ إنها حكومة تحدي قادرة على مواجهة الإرهاب والخارجين على القانون، بخطط أمنية ناجحة، على أن تتبعها خطط تنموية ناجحة هي الأخرى، ليتم القضاء على أسباب الإرهاب من جذورها، كالبطالة والتسيب المدرسي وتدني المستوى المعيشي لشرائح كبيرة من المجتمع العراقي، إلى جانب تدني الخدمات الأساسية التي بات المواطن يعاني منها ذرعا لدرجة كبيرة، تسعى مجموعات العنف والإرهاب، ومجموعات الجريمة المنظمة، إلى توظيفها لتعبئة المغرر بهم، في صفوفها، لضرب العراق وشعبه الصابر الأبي.

   رابعا؛ إنها حكومة تسعى بكل إمكانياتها إلى نزع السيادة والقرار من بين اسطر القرارات الدولية التي صدرت خلال الأعوام الخمسة الماضية التي أعقبت سقوط الصنم في بغداد، من جانب، كما تسعى إلى الاعتماد على نفسها قدر الإمكان لإنجاح خطط فرض القانون هنا وهناك من مناطق العراق الساخنة، من جانب آخر.

   لقد نجحت الحكومة بشخص رئيس الوزراء السيد نوري المالكي في تحقيق فضاءات أمنية عالية جدا يتحدث بها اليوم جل العراقيين وكل المنصفين من غيرهم، ليس بالقوات الأجنبية، كما كان يحصل في كل مرة، وإنما بقوات عراقية وطنية شجاعة، ربما احتاجت إسنادا معينا من القوات الأجنبية المتواجدة في العراق، إلا أن عماد الخطط الأمنية وقراراتها وأدواتها ووسائلها، كانت هذه المرة عراقية، ولذلك سعت قيادة القوات متعددة الجنسيات إلى ثني الحكومة عن تنفيذ أو الاستمرار في تنفيذ خططها الأمنية في أكثر من منطقة، إلا أنها باءت بالفشل بسبب عزيمة الحكومة وقواتها الوطنية، ما اكسب العراقيين ثقة بالنفس وبالحكومة وفي قدرتها على تحقيق النجاحات الأمنية الذاتية أو شبه الذاتية، ما يؤهلها لتسلم ملفات أمنية مهمة في أكثر من منطقة من مناطق العراق.

   خامسا؛ كما أثبتت الحكومة أنها بالفعل حكومة وحدة وطنية، ليس بمعنى التمثيل والمحاصصة، وإنما بمعناها الحقيقي، من خلال الوقوف بمسافة واحدة من كل شرائح المجتمع العراقي، بالرغم من كل المعرقلات والمعوقات التي تختلقها بعض الأطراف السياسية، والعصي التي تضعها في عجلة الحكومة، وبالرغم من الفساد المالي والإداري المستشري في مفاصل الدولة لتوريط الحكومة بإخفاقات تظهرها بمظهر الفشل أو العجز، إلا أن نجاحات الخطط أثبتت على أن الحكومة مصممة على النجاح وقادرة على أن تكون بالفعل حكومة وحدة وطنية على الأرض وليس في غرف وأروقة المحاصصات والبيع والشراء السياسي.

   إن الوحدة الوطنية، بمفهومها الحقيقي والواقعي، لا تتحقق بالمحاصصات الحزبية والطائفية والاثنية، أبدا، وإنما تتحقق من خلال الاصطفاف الوطني خلف انجازات الحكومة، أي كان لونها السياسي أو المذهبي أو الحزبي، وهذا ما يحصل اليوم، فلأول مرة نلمس كل هذا الاصطفاف الوطني، في الموصل مثلا، خلف الحكومة، ليس لان هذا الحزب أو تلك الكتلة عادت إليها، أبدا، وإنما بسبب نجاح الحكومة في انجازاتها التي خدمت فيها المواطن بشكل بات يشعر به الجميع.

   لقد أثبتت الحكومة كل ذلك، وأكثر، ليس لإثبات حسن نواياها للآخرين أو من اجل كسب ود وعطف أو تعاطف من هم خارج الحدود، أبدا، إنما أثبتت ذلك انطلاقا من المهام والمسؤوليات التي تتحملها إزاء الشعب العراقي الذي منحها الثقة عبر صندوق الاقتراع، وبذلك تكون الحكومة العراقية قد أسقطت كل الذرائع التي يتحجج بها العرب للاستمرار في التعامل بجفاء مع العراق.

   بالرغم من كل ذلك، إلا أن العرب لا زالوا يتعاملون بريبة مع العراق، تارة باسم تنصله عن الهوية العربية وأخرى باسم تلكؤه في مشروع المصالحة الوطنية وثالثة بذريعة التدخل غير العربي أو الولاءات غير العربية، وتارة أخرى بذريعة الطائفية وأخواتها، وأخرى بذريعة الوضع الأمني، وهكذا.

   العراقيون يتمنون لو تحدث العرب بصدق عن سر هذا الجفاء، فيعبروا عما يختلج في نفوسهم من مخاوف حقيقية من العراق الجديد، هي في حقيقة الأمر خارجة عن إرادة العراقيين، كما أنها خارجة عن إرادتهم أنفسهم.

   إنهم يخافون من النموذج العراقي الجديد، الذي يعتمد نظامه السياسي مبدأ التداول السلمي للسلطة بعيدا عن لعبة الانقلابات العسكرية التي اعتاد عليها العرب والعراق على وجه الخصوص أو ما اسميه شخصيا بالسرقات المسلحة، إنهم يخشون هذا النموذج الذي يعتمد صندوق الاقتراع ميزانا عند تنافس الفرقاء السياسيين، فلا تتسلط أسرة حاكمة تنهب الأموال من دون رادع أو تتحكم بمصير الشعب كالعبيد والإماء من دون وازع، نموذج يعتمد التعددية والتسامح والاعتراف بالآخر والمواطنة بدرجة واحدة ومن دون تمييز كمعايير للعلاقة بين العراقيين أنفسهم وبينهم وبين السلطة.

   لقد اعتاد العرب على نموذج الأنظمة الشمولية الاستبدادية التي تصل إلى السلطة إما بالسرقات المسلحة أو بالوراثة، أما رأي الناس وتخويل الأمة وإرادة الشعب ففي خبر كان، ولذلك كان العرب منسجمون بشكل أو بآخر مع النظام الديكتاتوري الشمولي البائد، تجمعهم السنخية الواحدة، وهم اليوم غير قادرين على الانسجام مع العراق الجديد الذي شهد خلال خمس سنوات فقط ثلاث انتخابات عامة وتبدل أربع حكومات وطنية، بالرغم من كل ما يقال بشأنها، إلا أن العبرة في نجاح العراقيين في تحقيق كل هذه النجاحات السياسية التي لم يشهد مثلها العرب منذ التأسيس على يد المحتلين بدايات القرن الماضي وأواسطه ولحد الآن.

   نتمنى أن يقول العرب الحقيقة ويصارحوا شعوبهم، فلا يظلوا يتمترسون بشعارات واهية لا تحكي الحقيقة أو تعبر عنها أبدا.

   ليقولوا بأنهم يخافون النموذج العراقي الجديد ولذلك يخشون الاقتراب منه، خشية أن تقلعهم رياح التغيير إذا ما اقتربت الشعوب منه.

   لقد بذل العراقيون كل ما بوسعهم لتطمين العرب، كما أنهم بذلوا قصارى جهودهم لكسب ود العرب من جديد بعد أن تجاوزوا جراحات الماضي التي تركتها في نفوسهم سياساتهم المتعاونة والمؤيدة للنظام البائد، وهم اليوم يحاولون فتح صدورهم وأسواقهم ومشاريعهم أمام العرب لتأكيد نواياهم الحسنة ليس بالكلام فقط وإنما بالفعل وعلى الأرض، كان آخرها مؤتمر البناء والاعمار الذي نظمه العراق بالتعاون مع مصر، والذي دعاهم العراق من خلاله إلى الاستثمار مع الأولوية، إلا أن استمرار جفاء العرب للعراق مع كل هذا التطور الذي يشهده العراق إن على صعيد الملف الأمني أو على صعيد العملية السياسية لدليل على أن علة الأمر ليس ما يتحدث عنه العرب وإنما العلة فيما ذهبنا إليه قبل قليل، وتلك هي الحقيقة المرة التي لا يريد العرب الاعتراف بها والتعامل على أساسها، لتذليلها وتجاوزها، وهي علة خارجة عن أرادة العراقيين، إذ ليس من العقل أن يتنازل العراقيون عن حقهم في التجربة السياسية الجديدة لسواد عيون الآخرين، وإذا كان العرب يخافون الديمقراطية، فتلك مشكلتهم وليس مشكلة العراقيين، ولكل الحرية في طريقة عيشه وفي ممارسة وتكريس تجربته. 

   وبصراحة أقول؛

   إن أي تلكؤ من قبل العرب في التعامل بايجابية مع العراق، لا يخسر منه إلا العرب أنفسهم أما العراق فسوف لن يخسر شيئا، لأنه قوي بذاته وليس بالآخرين، وانه يعرب ولا يستعجم (على حد قول الدكتور عادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية) وان العراق قادر وبكل سهولة على إيجاد بدائل عن كل من يفكر بمقاطعته، كما أن بإمكانه أن يجد أصدقاءه في هذا العالم الذي أصبح اليوم قرية صغيرة بكل بساطة.

   إن العرب يخطئون إذا ظنوا بان العراق بحاجة إليهم، وانه سيفشل في العودة إلى المجتمع الدولي من دونهم، وانه سوف لا ينهض إذا ما قاطعوه، وانه سيظل يعاني من الإرهاب إذ واصل العرب دعم مجموعات العنف والإرهاب بالفتاوى التكفيرية والمال الحرام والدعم اللوجستي، وغير ذلك، أبدا، فالعراق سينهض بالعرب وبغيرهم، وبدعمهم وبمقاطعتهم، فالعرب اليوم بوضع لا يحسدون عليه، وعلى مختلف الأصعدة، فلماذا كل هذا الجفاء يا عرب؟.

 

                                         *مدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن

   بغداد، في؛

   28 مايس (أيار) 2008    

 

نــــزار حيدر لـ (العربية):

 

بالنجاحات تتحقق المصالحة

 

   قال نــــزار حيدر، مدير مركز الإعلام العراقي، إن المصالحة الوطنية لا تتحقق بالغرف المظلمة، وإنما بالنجاحات والانجازات التي تحققها الحكومة العراقية، وبرأيي، فان الأخيرة نجحت في نقل ملف المصالحة الوطنية من الغرف المظلمة إلى الشارع العراقي، عندما حققت النجاحات الأمنية الأخيرة التي لفتت انتباه الجميع، العدو قبل الصديق، في عدد من المناطق الساخنة، وعلى رأسها في محافظة الموصل، رأس العراق، والتي نفذت فيها الحكومة أنظف عمليات أمنية ضد أقذر مجموعات إرهابية وعصابات خارجة عن القانون.

   وأضاف نـــزار حيدر الذي كان يتحدث لبرنامج (بانوراما) ليلة أمس على قناة (العربية):

   لقد أقنعت النجاحات الأخيرة، الكثير من الفرقاء السياسيين، بجدية الحكومة العراقية في التعامل مع الملفات الساخنة، وعلى رأسها الملف الأمني، لذلك بدأ هؤلاء عملية جرد حسابات دقيقة لمواقفهم من الحكومة، التي أثبتت بذلك أنها حكومة وطنية بكل معنى الكلمة، فهي ليست حكومة طائفية أو حزبية، أو حتى حكومة الائتلاف، وإنما هي حكومة كل العراقيين، من دون تمييز، ولذلك اصطف خلفها أبناء الموصل بكل مشاربهم الدينية والقومية والمذهبية والسياسية، بعد أن تيقنوا بأنها تقف على مسافة واحدة من الجميع، فالنجاحات بنت الثقة بالحكومة وزادت من مصداقيتها لدى الشارع العراقي، أضاف نــــزار حيدر.

   عن خطر المحاصصة على مستقبل العراق، وما إذا كانت ستحوله إلى لبنان ثانية، قال نــــزار حيدر:

   هنالك فرق كبير بين العراق ولبنان، فالمحاصصة هناك دستورية أي مثبتة في الدستور، أما عندنا فليست كذلك، بل أن الجميع تعامل معها، اضطرارا، فهي بالنسبة للعراقيين كأكل لحم الميتة، نتمنى أن لا نواصل التعامل معها إلا بما يسد رمقنا السياسي كمضطرين من دون أن نبغي أو نعتدي على الديمقراطية، ولذلك نرى أن الجميع هنا في العراق، من مرجعيات دينية وقادة سياسيين وزعماء أحزاب، مصممون على أن لا يسترسلوا مع المحاصصة وقتا أطول من الذي استغرقته لحد الآن، ولذلك ذهب الجميع إلى تبني نظام القائمة المفتوحة في الانتخابات القادمة، حتى لا تستحوذ أعداد معينة من الأحزاب والتيارات السياسية على مجالس المحافظات وتاليا على السلطات المحلية.

   لقد أدرك الجميع أن المحاصصة تشل البلد ولا تدع الحكومة تعمل، كما أنها سبب مباشر لإلغاء الكثير من القيم المهمة التي لا يمكن بناء النظام الديمقراطي من دونها، كقيم الكفاءة والنزاهة والخبرة، لان المحاصصة تعتمد المقولة السيئة التي تقول (شرار قومي أفضل من خيار قوم آخرين) وهذا ما يدمر البلد ولا يبني نظاما سياسيا مستقرا أبدا، وهي الحالة التي نراها اليوم في لبنان الذي يمر بين الفينة والأخرى بأزمات سياسية وأمنية حادة وخطيرة، يفشل اللبنانيون في حلها من دون العامل الخارجي، أيا كانت هويته، الشئ الذي لا نريد أن نراه في العراق الجديد.

   عما إذا كانت وراء التأييد السياسي الذي شهدته عمليات الموصل، صفقات معينة بين الفرقاء، قال نــــزار حيدر:

   وهل السياسة إلا صفقات؟ ولقد رأينا ماذا حصل الأسبوع الماضي في العاصمة القطرية الدوحة من صفقات أنتجت الاتفاق الذي اخرج لبنان من أزمته الأخيرة.

   ليس العيب في كون السياسة مجموعة صفقات، إلا أن العيب كل العيب هو أن تأتي الصفقات على حساب الوطن والشعب، ولذلك، وأقول بصراحة، نحن مع الصفقات أيا كان نوعها ولونها، شريطة أن تنتج أمنا وكرامة وخبزا للناس الذين لا زالوا يدفعون ثمن تعنت هذا الطرف أو ذاك، في كل مفاوضات تجريها الحكومة العراقية تحت لافتة المصالحة الوطنية، التي لا زال البعض يتصور بأنها لا تتحقق إلا إذا عاد زيد للحكومة ولم يقاطعها عمرو، أما اليوم فان المصالحة انتقلت إلى الشارع العراقي الذي بدأ يتحسس نتائج نجاحات الحكومة العراقية، ولذلك فان المصالحة منذ اليوم فصاعدا تتحقق بالانجاز وليس بالمفاوضات العقيمة التي لا زالت تجريها الحكومة مع هذا الطرف أو ذاك من دون طائل، فلقد بدا الفرقاء يشعرون بان عدم مشاركتهم في الحكومة سوف لن يعرقل عملها كما كان الحال في السابق.

 

   بغداد، في؛

   26 مايس (أيار) 2008

 

نـــــــزار حيدر لهيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي):

وحدة العراق هدف مقدس، واستمرار تواجد القوات الاجنبية امر غير مرحب به



قال نــــــزار حيدر، مدير مركز الاعلام العراقي في واشنطن، ان وحدة العراق هدف مقدس لدى كل العراقيين، الذين اثبتوا انهم غير مستعدين للتنازل عن شبر واحد من وطنهم.

جاء ذلك خلال حديثه لهيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) معلقا على استطلاع الراي الذي اجرته مؤخرا عدد من المؤسسات العالمية، والذي اشار الى التحسن الملحوظ الذي بات يشعر به العراقيون على مختلف الاصعدة، واضاف:

ان انعقاد مؤتمر البرلمانات العربية الاسبوع الماضي في مدينة اربيل في اقليم كردستان العراق، وتحقيقه لكل هذا النجاح الباهر الذي سجله له كل العالم، خاصة المشاركون في الاجتماع، دليل آخر على ان العراق وحدة واحدة لا يمكن ان يتجزأ، وان ما كان يراهن عليه النظام البائد من تمزق العراق اذا ما حصل اي تغيير في بنية النظام السياسي، لم تكن الا اوهام وسيف كان يسلطه الطاغية على رقاب الشعب العراقي لارهابه وارعابه من اي تغيير محتمل.

واذا عدنا قليلا الى الوراء وتذكرنا كيف ان العراقيين صوتوا على الدستور الدائم بنسبة كبيرة جدا، الدستور الذي ورد التاكيد فيه على وحدة العراق في اكثر من عشر مواد دستورية، لتاكد لنا بان العراقيين يعتبرون وحدة بلادهم شئ مقدس لا يجوز المساس به، خاصة وانهم باتوا يشعرون بانهم يعيشون بشكل متساوي في بلدهم، بعد ان كان النظام البائد يتعامل معهم على اساس الدرجات الثانية فما فوق.

عن راي العراقيين بتواجد القوات الاجنبية في العراق، قال نــــزار حيدر:

ربما يستوعب العراقيون تواجد هذه القوات على مدى السنين الخمس الماضية، اما ان يستمر هذا التواجد مدة زمنية اطول، فهذا امر غير مرحب به من قبل كل العراقيين، وان على الاميركيين، وعلى ادارة الرئيس جورج بوش تحديدا، ان تستوعب هذه الحقيقة، اذا ارادت ان تحتفظ بقدر معقول من القبول لدى العراقيين، فالعراقي لا يتحمل استمرار تواجد القوات الاجنبية على اراضيه، واذا كان قد رضي بها لحد اليوم كأمر واقع وعلى مضض بسبب السياسات الرعناء التي انتهجها النظام البائد والتي انتهت الى احتلال العراق وتدميره والاعتداء على سيادته، فان العراقيين لا يمكن ان يقبلوا بهذا الامر الواقع الى ما لا نهاية، ولذلك يجب ان تفكر الادارة الاميركية بشكل جدي لوضع حد لهذا الامر، قبل ان يحصل ما لا يحمد عقباه.

عن مدى ثقة العراقيين بالحكومة، قال نـــــزار حيدر:

لا شك ان الحكومة الحالية موضع ثقة واحترام العراقيين، لانها تشكلت دستوريا وانتخبت من قبل الشعب العراقي، فهي لم تات على ظهر دبابة، ولم تات نتيجة تآمر او انقلاب عسكري كما هو المعهود في تاريخ العراق الحديث، ومن اجل ان تزداد ثقة العراقيين بحكومتهم، فان انتخابها بالطريقة الدستورية لا يكفي ليكون سببا وحيدا في بناء واستمرار مثل هذه الثقة، فان شرعية الحكومة، اية حكومة، لا يعتمد على طريقة تسلمها السلطة في البلاد فحسب، وانما في انجازاتها، وفيما تحققه من اهداف ينتظرها الشعب بفارغ الصبر، ليتلمسوا التغيير الايجابي الحاصل في مستواهم المعيشي والتربوي والتعليمي والصحي وفرص العمل، الى جانب المساواة في الحقوق والواجبات وامام القانون، بالاضافة الى تساوي الفرص وتكافئها امام كل المواطنين من دون تمييز او تحيز.

العراقيون اليوم ينتظرون من الحكومة افعالا وليس اقوالا، انهم يريدون ان يشعروا بانجازاتها اليومية التي تلامس حياتهم ومعايشهم.

صحيح ان الوضع الاقتصادي في تحسن ملحوظ، الا انه سيتحسن اكثر لو طبقت الحكومة العراقية خطة الحرب التي اعلنها السيد رئيس الوزراء على الفساد المالي والاداري خلال هذا العام (2008).

عن رايه بقدرة القوات العراقية على تسلم الملف الامني اذا ما انحسبت القوات الاجنبية، قال نــــزار حيدر:

لا يختلف اثنان على تطور جاهزية وفاعلية هذه القوات التي ينتظر منها العراقيون ان تتسلم الملف الامني بعد رحيل القوات الاجنبية، وهي مهمة وطنية، كما نعرف، شاقة جدا، الا اننا على يقين من ان هذه القوات وبتعاون العراقيين معها، ستنجز المهمة على احسن ما يرام، وباكمل الصور لاننا نعرف جميعا، ان سيادة العراق ووحدة اراضيه واستقلاله الناجز يعتمد على هذا الدور الوطني الذي يجب ان تضطلع به القوات الوطنية العراقية.

الا ان ما يؤسف له حقا، اضاف نــــزار حيدر، هو ان ما نراه ونسمع عنه في البصرة بعد رحيل القوات البريطانية، يبعث على الاسى والاسف، كما انه يثير اكثر من تساؤل مرعب فيما يخص قدرة القوات العراقية على تحمل اعباء الملف الامني، ما يعطي المبرر للقوات الاجنبية بالاستمرار في التواجد بحجة عدم قدرة وجاهزية القوات الوطنية على انجاز المهمة، ولذلك، يجب ان تنتبه الحكومة العراقية الى هذا الخلل لاصلاحه في اسرع وقت، لتثبت للعراقيين والعالم بانها كفء لتحمل مسؤولية الملف الامني، لتسقط الذريعة من يد القوات الاجنبية، وتاليا لتتمكن من الحديث بصوت مرتفع، وبكل ثقة، عن السيادة والاستقلال ورحيل القوات الاجنبية، بعد ان تكون قد انجزت مهمة اخراج العراق من تحت طائلة البند السابع من ميثاق الامم المتحدة.

 

 

  يتبع

حتى يغيروا

(7)

حقوق لا مكرمات

لماذا الوهابية؟

نـــــــــــــــــــــــــــزار حيدر

   لماذا تتركون (انتم العراقيون تحديدا) العدو الحقيقي وراء ظهوركم، لتشغلوا انفسكم بمحاربة الوهابية وفضح فكرهم المنحرف واساليبهم الهدامة التي لا تمت الى الدين بصلة؟ يتساءل البعض.

   لماذا تصرفون الجهد والوقت، للهجوم على الوهابية ومن ياويهم من الاسر الحاكمة في الجزيرة العربية كآل سعود الذين ما فتئوا يدعمونهم بالبترودولار والاعلام الطائفي المضلل، فمكنوهم من الدين والرقاب والاعراض ووطؤوا لهم، عندما بسطوا ايديهم تعبث بامن بلاد الحرمين الشريفين، فتحولت مدارسهم ومعاهدهم (الدينية) الى مفقسات وحواضن للارهابيين من المغرر بهم، ممن غسلت ادمغتهم بكل حديث مكذوب وتفسير مضلل (بكسر اللام الاولى)؟ يتساءل آخر؟.

   اوليست افعال الوهابيين التكفيريين في العراق، وبالتحالف مع ايتام النظام البائد، انما هي مجرد رد فعل على الاحتلال؟ فلو لم تتعرض بلاد الرافدين للاحتلال لما ذهب الوهابيون الى هناك لـ (القتال) في سبيل الله؟ طلبا لمرضاة الله تعالى وطمعا بدخول الجنة؟ يتساءل ثالث، ورابع، وخامس.

   بغض النظر عن نوايا المتسائلين، فان من حق اي انسان ان يشغل باله بمثل هذه الاسئلة، خاصة بعد هذا التصعيد الاعلامي والانجازات الحقوقية والنجاحات السياسية الرائعة التي حققها العراقيون وغيرهم  في بلاد المهجر، ضد الوهابية وحواضنها في بلاد الجزيرة العربية (آل سعود).

   ومن اجل بيان الحقيقة التي تتحدث عنها وقائع الماضي والحاضر، اجيب بالقول؛

   ان الوهابية هي الخطر الاكبر على العراق، بل وعلى الاسلام والمسلمين، والبشرية جمعاء، وان آل سعود هم الشريك الفعلي والحقيقي لها، بل انهما وجهان لعملة واحدة، لا ينفك احدهما عن الاخر، واليك التفاصيل:

   اولا: على الصعيد الفكري، فان الوهابية تختلف مع كل الاديان السماوية والمذاهب الاسلامية، الى درجة التناقض.

   لقد ورثت الوهابية كل عقد الماضي، وتراكمت عندها كل سوآت التاريخ البشري، ولذلك فهي تكفر كل من لا يرى ما تراه من عقائد منحرفة وافكار ضالة، فتبيح دم المخالف، وماله وعرضه، وفي احسن الفروض فانها تدعو الى مقاطعته وتقطيب الوجه معه عند اللقاء العابر او اجتماع المضطر(راجع فتاوى فقهاء التكفير المعاصرين بهذا الشان).

   ثانيا: فان الوهابية انتجت اخطر مصاديق (وعاظ السلاطين) اذ لم ار مثلها في صناعتهم، ولذلك تراهم يتناقضون في فتاواهم ويتضاربون في مواقفهم، فهم فقهاء تحت الطلب، و(ائمة) عند حاجة السلطان، فالطاغية المقبور صدام حسين عندهم كافر لا تقبل له توبة، تارة، واخرى عندهم شهيد يدخل الجنة بلا حساب (راجع فتاوى بن باز ومن جاء بعده).

   كذلك فان لباس الغربيين عندهم حرام، لا يجوز للمسلم لبسه والتشبه بهم، تارة، وحلال يجوز لبس صليبهم، اذا راى ولي الامر مصلحة في ذلك، تارة اخرى (راجع فتوى بن باز بهذا الشان بالصوت والصورة على موقع اليو توب).

   ثالثا: وعلى صعيد الممارسة، فان الوهابية لا ترى اي حق في الحياة لكل من يخالفها الراي و(المعتقد) ولذلك اباحت دم الناس واموالهم واعراضهم، بعد ان نصبت نفسها وليا على الدنيا، تفتي ما تشاء وانى تشاء وكيف تشاء، فهي الحق وهي الصواب، وما دونها بدعة وظلال وكفر يقود صاحبه الى النار.

   لقد نصبت الوهابية محاكم تفتيش للعقائد والافكار في كل مكان حطت رحلها فيه، حتى في البلاد غير الاسلامية، كاوربا واميركا وكندا واستراليا وغيرها من ارض الله الواسعة التي لجا اليها المسلمون هربا من القمع الفكري والمذهبي والسياسي، الذي يتعرضون له على يد السلطات الحاكمة او على يد علماء السوء، او من قبل المتعصبين من الجهلة والاميين.

   هنا في اميركا، مثلا، فان المساجد والمدارس والمؤسسات التي يديرها ويسيطر عليها الوهابيون، والتي تدفع المملكة العربية السعودية رواتب ائمتها والمتولين فيها، تراها لا يؤمها الا نوع خاص من البشر، تميز بزيه وشكله وهندامه، واذا ما صادف ان دخلها غيرهم عن طريق الخطا او جهلا، انهالت عليه صفات الكفر والشرك والزندقة، فهم تكفيريون لا يرون حقا لاحد، ولا صوابا من احد، لا في قول ولا في فعل او عمل.

   رابعا: كذلك فان الوهابية تميزت بفتاوى الهدم التي ما انزل الله تعالى بها من سلطان، فتميزوا عن كل المسلمين بهذا الفعل الشنيع.

   لقد بنى المسلمون في كل بقعة ارض فيها قبر لامام او ولي، مسجدا وقبة، واشادوا عليها الاضرحة، فلم يعترض عليهم احد، ولم ينهرهم احد، ولم يسمعوا بفتاوى الهدم من فقيه او عالم، فبنوا على قبر رسول الله (ص) والخليفتين الاول والثاني، في المدينة المنورة قبة خضراء لا زالت الى اليوم تناطح السحاب بزهوها وبهائها، وفي القاهرة، بنوا القباب والمآذن على المراقد الشريفة لاهل البيت والصحابة الاجلاء، وهكذا في الاردن والشام والعراق، ففي الشام لا زالت قبة قبر نبي الله يحيى بن زكريا عليه السلام قائمة في وسط المسجد الاموي يزورها المؤمنون من كل حدب وصوب، الى جانب المراقد الاخرى، كمرقد الصحابي الجليل حجر بن عدي رضوان الله تعالى عليه، الذي قتله معاوية بن ابي سفيان، كما ان مراقد اهل البيت والصحابة في الاردن (جعفر الطيار رضوان الله تعالى عليه) لا زالت قائمة منذ سنين متمادية في القدم، لم يتعرض لها احد ولم يعتد عليها احد، وما مسجد تاج محل في الهند وقصته المعروفة ببعيدة عنا، اما ضريح البخاري (صاحب اصح كتب اهل السنة والجماعة) في مدينة (خرتنك) في دولة اوزبكستان، والذي يحج اليه الناس من كل حدب وصوب، فهو مما لا يخفى على احد، فلماذا يعتدي الوهابيون وبدعم وتاييد من آل سعود، على مراقد اهل البيت عليهم السلام في بقيع الغرقد وفي العراق، كما حصل ذلك في القرن الماضي مرات عدة وتكرر قبل عامين؟ الا ان يكونوا قد خرجو على اجماع الامة، وهم كذلك.

   بل ان في كل بلاد المسلمين رموز خاصة لقبور الرؤساء والقادة والزعماء والمفكرين والفنانين والملوك، لم يهدمها احد او يفتي بحرمتها، وان الكثير منها تحول الى مزار يقصده الزعماء عندما يزورون هذا البلد او ذلك، تقديرا لجهودهم في شتى المجالات.

   اكثر من هذا، فان فقهاء المسلمين وحكامهم لم يتعرضوا، وعلى مر التاريخ، حتى للرموز الدينية لغير المسلمين، كتمثال بوذا في افغانستان مثلا، فعلى الرغم من ان هذه البلاد دخلت الاسلام منذ قرون بعيدة، وان الاسلام حكمها طوال تاريخها الغابر، الا ان هذا التمثال لم يتعرض الى سوء ابدا، فلم يفت احد من الفقهاء والعلماء بوجوب ازالته او محو آثاره، حتى اذا جاءت (طالبان) التي تنتمي في (العقيدة المنحرفة) الى الوهابية والتي صنعتها ودعمتها بالمال اسرة آل سعود، وتمكنت برهة من الزمن من رقاب الافغان الطيبين، بادرت الى الاعتداء على هذا الرمز التاريخي والمقدس عند اصحابه، وكادت ان تاتي على آخره، لولا ان تداركت رحمة الله تعالى الشعب الافغاني فخلصتهم من بطش وجهالة (طالبان).

   قد يقول قائل، ربما يكون ما تفعله الوهابية صحيح وشرعي، وان عدم فعل غيرهم من المسلمين لمثل هذا ليس دليلا على خطئهم، الم يقل القران الكريم {بل ان اكثرهم للحق كارهون}؟.

   اجيب فاقول؛

   اولا: اولم يتفق الوهابيون على الحديث الصحيح الذي ترويه جل الفرق الاسلامية، من ان الرسول الكريم (ص) قال { لا تجتمع امتي على ضلال، او باطل}؟ هذا يعني بان المسلمين لم يجتمعوا على باطل عندما شيدوا القباب والمآذن على القبور، او عندما لم يتعرضوا الى تمثال بوذا في افغانستان على سبيل المثال لا الحصر، من جانب، ومن جانب آخر، هذا يعني بان الوهابية خرجت على اجماع الامة بمثل هذه الفتاوى والاعمال المشينة.

   ثانيا: لقد مر في تاريخ الاسلام مختلف الفقهاء والعلماء والمراجع الدينية، ومن مختلف المذاهب والمدارس والاتجاهات، دون ان يفتوا ما افتى به الوهابيون، فهل يعقل ان كل اولئك على ظلال وان فقهاء الوهابية فقط هم وحدهم من جانب الحق والصواب؟.

   ثالثا: لو قلنا جدلا بان الوهابية على صواب في مثل هذه الفتاوى، فهل لها الحق في ان تفرض ما تراه على بقية المسلمين؟ وهل لها الحق في ان تمارس القتل الجماعي والهدم بالمتفجرات والولوغ في دماء الناس من اجل تنفيذ احكام الله عز وجل؟.

   لقد بعث الله تعالى رسوله الكريم بالرسالة  الخاتمة ولم يامره بالاكراه، بل خاطبه بقوله {انما انت مذكر، لست عليهم بمسيطر} فمن اعطى الوهابيين الحق ليجبروا الناس على ان يكونوا وهابيين او يلتزموا بفتاواهم؟.

   ان الوهابيين يروون احاديث عجيبة وغريبة عن رسول الله (ص) تتناقض مع ابسط قواعد الرحمة الالهية وتتعارض مع ادنى مناقبيات الرافة النبوية، ليشرعنوا فتاواهم ويبرروا جرائمهم، فيقولوا مثلا ان الرسول الكريم احرق دار احد الصحابة لانه لم يحضر الجماعة، هكذا، من اجل تبرير تعسفهم في فرض الصلاة عند وقتها على الناس، ولقد كدت ان اتعرض للهلاك في احدى السنين التي اديت فيها فريضة الحج لانني كنت مشغولا بقراءة القران الكريم في باحة المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة عندما قامت الصلاة جماعة في المسجد، فلقد هجم علي اثنان من عناصر ميليشيا الوهابية، من دون (احم ولا دستور) كما يقول المثل، وانهالوا عليا تقريعا فوصفوني بالشرك والكفر والمروق لانني لم اصل الجماعة، وكادوا ان يعتقلونني لولا رحمة من الله شملتني ولطف منه، وقس على ذلك، ولا اعتقد ان مسلما حج بيت الله الحرام لم يتعرض الى ما تعرضت له او ما يشبهه، ولقد سمعنا وراينا جميعا جريمة الوهابيين قبل عدة اشهر ضد مجموعة من الشباب المعتمرين، وكيف انهم تعرضوا للضرب المبرح وان بعضهم اغمي عليه من شدة وقساوة ما تعرض له على يد هؤلاء الاصلاف الاجلاف، اللذين انتزعت الرحمة من قلوبهم، فهي كالحجارة او اشد قسوة، وان من الحجارة لما يتفجر منه الماء.  

   خامسا: ان الوهابية، من بين كل المذاهب والمدارس الاسلامية الاخرى، تتبنى مبدا القمع الفكري، وسحق حقوق الانسان، ومصادرة الراي الاخر، والتدخل في خصوصيات الانسان، كآراء فقهية شرعية تبني عليها احكاما وممارسات يومية، كما انها من بينها جميعا تتبنى نظرية الحكم الوراثي السلطوي القيصري الجاهلي (الشرعي).

   وكل ذلك، لانها شرعنت القمع الفكري والحكم الوراثي ونظرية ظل الله في الارض، وان مرد ذلك هو ان الوهابية تعسفت في النقل وشددت في ما نقله الماضون، لانها الغت العقل والمنطق والاجتهاد ولم تاخذ بنظر الاعتبار حوادث الزمان ومتغيرات المكان، ولذلك خرجت عن اجماع الامة وفقهاءها وعلماءها، ولتوضيح ذلك، اليك، عزيزي القارئ، بعض الامثلة:

   فمثلا، يحق للمراة المسلمة ان تقود السيارة في كل بقاع الارض، ولقد احل لها الاسلام ذلك، وافتى علماءه به، الا في المملكة العربية السعودية، فان فقهاء آل سعود من الوهابيين حرموا ذلك عليها، واعتبروه بدعة، والتي تقود الى النار، كما هو معروف (راجع الفتوى الخاصة بهذا الشان على الرابط ادناه).

   كما ان من حق المراة ان تشارك في الشان العام، فلها الحق في ان ترشح نفسها للانتخابات او ان تشترك فيها، ولقد فعل رسول الله (ص) ذلك عندما جاءته المؤمنات يبايعنه، الا في المملكة العربية السعودية فان المراة لا يحق لها ذلك لانه حرام.

   وفي المملكة العربية السعودية حرام ان تحمل الكاميرا لتلتقط الصورة للذكرى، حتى اذا رمت التصوير مع بيت الله الحرام او لمسجد وقبة رسول الله في المدينة المنورة، ولكن صور الاصنام من آل سعود موجودة في كل مكان الى درجة القرف، حتى عند مداخل المرافق العامة تراها معلقة، ولقد سالت مرة زميل لي في الحج عن فلسفة ذلك فاجابني مازحا، لا ادري، ولكن، ربما لتسهيل عملية الهضم عند روادها ومن يقصدها.

   وكم من حاج (جاهل) بفتاوى تحريم التقاط الصور، تعرض للاهانة وخسر كاميرته واحرق الفيلم الذي فيها.

   هذا غيض من فيض، لم تجده حتى عند دول الجوار السعودي التي تشبه انظمتها النظام الحاكم في السعودية، الا انها لم تتعسف بهذه الطريقة.

   ان كل ما احله الله حرام في السعودية، اما شرب الخمر والزنا والفاحشة وقصص الفساد الاخلاقي التي يتورط بها الامراء من آل سعود (وهم الذين يسمونهم باولي الامر) والتي تمتلئ بها مواقع الانترنيت، فحلال زلال لا يعترض عليها وعاظ السلاطين، وفقهاء الجور، بل يبررونها في اكثر الاحيان (راجع وصلات المواقع ادناه بهذا الشان).

   تصور، حتى زيارة قبر رسول الله (ص) في المدينة المنورة حرام وبدعة، ولذلك يامرك فقهاء الجور من الوهابيين، بان لا تنوي زيارته عندما تروم الذهاب الى المدينة المنورة، بل عليك ان تنوي زيارة مسجد الرسول، حتى لا ترتكب اثما يقودك الى النار.

   كذلك، فان وجود القوات الاميركية (الصليبية) في العراق حرام، اما وجودها في ارض الحرمين فحلال وجائز شرعا، بل انها قدمت الى ارض الحرمين بطلب فقهي وشرعي من قبل فقهاء آل سعود (راجع فتاوى بن باز بهذا الشان). 

   سادسا: لقد تميزت الوهابية بالكراهية لاهل بين النبوة والرسالة ولمحبيهم وشيعتهم على وجه التحديد، وبدرجة امتياز، فهم يناصبونهم العداء بطريقة تعسفية فاقت كل حدود التصور والمعقول، ولذلك نراهم مارسوا القتل ضدهم اينما تمكنوا من السلطة، ومنذ ان اسس عبد الوهاب (مذهبه) الضال ولحد الان، ولذلك لم يسم ابن سعود (الكبير) اي من ابنائه باسماء اهل البيت، علما بان له اكثر من (5000) آلاف ابن وحفيد من الذكور والاناث، وهذا يدلل على مدى الحقد الدفين الذي يكنه هؤلاء لاهل البيت عليهم السلام، فيما نعرف جميعا بان اسماء اهل البيت عليهم السلام منتشره في كل مكان يوجد فيه مسلم، انظر الى بلدان المغرب العربي مثلا، والى مصر والصومال وموريتانيا واندونيسيا وتركيا وايران وفي كل مكان، لان كل المسلمين يعتبرون ان حب اهل البيت والتبرك باسمائهم فخر ما بعده فخر.

   لقد انعكس هذا الحقد الدفين على تصرفات آل سعود والوهابية التي يحتمون بها (فقهيا ودينيا) فاذا تصفحنا التاريخ الحديث لاحوال البلاد التي فيها شيعة لامير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام، كان الوهابيون قد تمكنوا منها، ولو لبرهة من الزمن، فسنقرا قصص القتل والذبح وانتهاك الاعراض وسلب الاموال وهدم القبور والمساجد والاماكن المقدسة، وليس صورة (مزار شريف) في افغانستان عنا ببعيدة، عندما سيطر عليها الوهابيون تسعينيات القرن الماضي، ولعدة سنوات فقط، الا انهم، وخلال هذه المدة القصيرة من الزمن، قتلوا وذبحوا وانتهكوا من الاعراض ما لم يفعله هولاكو ببغداد واهلها.

   ان هذا الحقد والكراهية التي يضمرها الوهابيون لشيعة امير المؤمنين على وجه التحديد، هي التي دفعتهم لارسال مشاريع القتل والتفخيخ والتدمير الى العراق لقتل الابرياء بعد ان استباحوا كل شئ بحجة ولاء الناس لاهل البيت الذين يسمونهم بالرافضة، خشية الفضيحة، فكانت ابشع جرائمهم بعد قتل الابرياء، تفجير مرقد الامامين الهمامين العسكريين في مدينة سامراء المقدسة، والتي تصادف ذكراها السنوية هذه الايام (راجع بهذا الشان التقرير الاخير الذي صدر عن المركز الاميركي لمكافحة الارهاب، ومئات التقارير والدراسات الاخرى، كما يفضل تصفح مواقع الوهابيين على الانترنيت لمعرفة مدى حقدهم وبغضهم للشعب العراقي بسبب رفضهم، على حد قول الوهابيين).

   سابعا: الوهابيون دجالون بامتياز، اتعرفون لماذا؟ وذلك من اجل ان  يبرروا جرائمهم التي يمارسونها بناءا على فتاواهم التضليلية.

   فمثلا، يتهم الوهابيون اتباع المذهب الشيعي بانهم يسجدون على الاصنام، في اشارة منهم الى التربة، وان لهم قرانا غير هذا الذي يقراه بقية المسلمين، اسمه مصحف فاطمة، على حد زعمهم، وان الشيعة يذبحون ذبائحهم باتجاه كربلاء، وليس باتجاه القبلة، وان الشيعة يقولون في التسليم عند الصلاة (خان الامين خان الامين) في اشارة منهم الى انهم يعتقدون بان الوحي اخطا موضع الرسالة، اذ كان يجب عليه ان ينزل يها الى علي بن ابي طالب وليس الى محمد بن عبد الله، وان الشيعة يعبدون ائمتهم وليس الله الواحد الاحد، وانهم كذا وانهم كذا.

   كل هذا الدجل والكذب الذي لا يسوقون عليه اي دليل البتة، انما ليستنتجوا منه ما يثبت للمغفلين بان الشيعة كفرة ولذلك لا تجوز ذبائحهم (راجع فتاوى فقهاء الوهابية بهذا الشان).

   ثامنا: الوهابيون ليس لهم منطق، ولا يعتمدون دليلا عندما يتحدثون، فيرسلون كلامهم على عواهنه، ولذلك لا يرون رايا آخر غير رايهم، ويرفضون الحوار الا بالفتوى التي عادة ما تقطع طريقه، فان منطقهم القتل والسيف والقوة والاكراه، واذا ما تصدى لهم احد من الناس انبروا لتهديده ووعيده، ولست انا اول او آخر من يهددني الوهابيون بالقتل والتصفية الجسدية، كوني نشرت خطة محكمة للقضاء على الوهابية بعد ان اعتبرتهم خطرا على البشرية (راجع رابط الموقع في نهاية المقال).

   ولقد رايناهم مؤخرا كيف طبلوا وهرجوا ضد علمين من اعلام الشيعة في الكويت، الا وهما الشيخ عبد الحميد المهاجر والسيد محمد باقر الفالي، بسبب انهم احيوا ذكرى الحسين السبط عليه السلام بطريقة لم تعجبهم، وانهم نقلوا الحقيقة الى العالم عبر قناة الانوار الفضائية (راجع تفاصيل الخبر على الرابط ادناه).

   وسيظل هؤلاء يرتكبون جرائمهم البشعة ضد كل من يختلف معهم في راي او معتقد، لانهم لا يقوون على حوار، ولا يمتلكون دليلا، ولذلك، فلو تتبعنا طريقة انتشارهم في العالم، فسنكتشف انهم لم ينتشروا بالدليل والحجة والبرهان، وانما بالاموال والدعاية التضليلية والدجل، ولذلك فهم لم ينتشروا الا في اوساط الشرائح الاجتماعية الفقيرة، باستثناء الجزيرة العربية التي انتشروا فيها بالسيف والغزو والقتل والسبي والنهب بتلك الصور والقصص المعروفة التي ما قراها منصف الا واستهجنها.

   ان خطر الوهابية يكمن في انها تمتلك كل مقومات تدمير البشرية، وتهديد الانسان على وجه هذه البسيطة، فهي تمتلك السلطة الدينية (فقهاء البلاط ووعاظ السلاطين) والسلطة الدنيوية (سلطة آل سعود التي سخرت الدين لتحقيق مآربها الدنيوية الدنيئة) كما انها تمتلك المال والبترول، الذي اشترت بثمنه الحماية والامن من الولايات المتحدة الاميركية في اطار الاتفاق الاستراتيجي المعروف الذي وقعه ابن سعود (كبير العائلة الحاكمة) والرئيس ولسن، والذي يعرف باتفاق (النفط مقابل الامن) كما اشترت به الاقلام الماجورة واسست وسائل الدعاية المضللة، باسم الشركة السعودية للانتاج والتسويق وما شابهها، وبه بنت واسست مصانع التجهيل وغسل الادمغة، واقصد بها المدارس الدينية المنتشرة في كل بقعة من بقاع الارض، هدفها اصطياد المعوزين والمحتاجين لغسل ادمغتهم وتعليمهم اصول التكفير والقتل والهدم والكراهية والاعتداء على حقوق الاخرين وسحق الكرامة الانسانية والتدين القشري.

   تاسعا: ان الوهابية مشروع تفرقة للامة الواحدة.

   فعلى الرغم من اختلاف مذاهب ومدارس المسلمين على مر التاريخ، الا انهم، بالمجمل، عاشوا في الفة ومحبة وتآلف، فاشتركوا في مدارسهم وحوزاتهم (راجع بهذا الشان فتاوى علماء الازهر بجواز التعبد بالفقه الشيعي واعتباره المذهب الخامس من مذاهب المسلمين) وحركاتهم التحررية والسياسية، كما انهم اشتركوا في الجهاد والنضال من اجل عز وكرامة الامة، الى جانب اشتراكهم في احياء المناسبات الدينية التي تمر بها الامة، اما الوهابيون فقد فرقوا الامة ومزقوا اوصالها بعد ان كفروا هذا واخرجوا ذاك من الدين واتهموا الثالث بالبدع والرابع بالظلال، وهكذا، فمتى اقتتل العراقيون الا عندما دخل الوهابيون وفلولهم الارهابية الى العراق؟ ومتى اقتتل الافغان الا عندما صنعت المخابرات السعودية حركة (طالبان) الارهابية؟ ومتى وصم الاسلام بالارهاب الا عندما صنع آل سعود تنظيم القاعدة الارهابي؟ وهكذا، ما يعني بان الوهابية مشروع تفريق وتمزيق الى جانب كونه مشروع ظلال، فهي ضد تعايش ابناء الامة على اختلاف مذاهبها، فعندما يقول الوهابون بان الشيعة اشد خطرا على الاسلام من اليهود والنصارى (راجع فتاواهم بهذا الصدد) فكيف يمكنهم اقناعنا بانهم لا يريدون بالامة ودينها السمح الا الخير؟ وهم الذين يكفرون اكثر من (600) مليون مسلم ومسلمة، بفتاواهم، فضلا عن الملايين من اتباع الطرق الصوفية، المنتشرين في العالم الاسلامي.

   عاشرا: ان الوهابية تتشبث بالقشور اكثر من اعتنائها باللب والجوهر، ولذلك تعمدت التجهيل والاستغفال، والاستخفاف بعقول من يضحكون عليه من الاتباع.

   وفي المملكة العربية السعودية، يتندر الناس بالقول، ان احد الحجاج قال مرة لاحد (الوهابيين) بان القدس احتلوها اليهود وهي الان تحت سلطتهم، فرد عليه (الوهابي) فورا وباستغراب شديد (وهل الملك على علم بالامر؟).

   ولقد سال احد المسلمين (الكفار) مرة بن باز، عن رايه في مبدا تاويل آيات القران الكريم، فرد عليه بالنفي، قائلا، انها من بدع الروافض، فرد السائل مستفسرا منه عن معنى الاية الكريمة {ومن كان في هذه اعمى فهو في الاخرة اعمى واضل سبيلا} على اعتبار ان بن باز، كبقية زملائه اعمى، فرده على الفور، والغضب باديا على وجهه (رافضي كافر).

   حادي عشر: ان جرائم الوهابية، منذ تاسيسها ولحد اليوم، فعلا وليس رد فعل، كما يدعي من يسعى لتبريرها، اي انهم يرتكبون جرائمهم مع سبق الاصرار، فهو يعرفون جيدا ماذا يريدون من افعالهم المشينة، والدليل على ذلك، هو انهم ارتكبوا الكثير جدا من جرائم القتل والهدم وانتهاك الاعراض والنهب في الكثير من بلاد المسلمين، يوم لم تحتل اميركا العراق، ويوم لم يكن للولايات المتحدة الاميركية وجودا في هذا العالم.   

   ان التكفير، صناعة وهابية.

   والارهاب، صناعة وهابية.

   والقمع الديني، صناعة وهابية.

   والهدم، صناعة وهابية.

   وشرعنة الاعتداء على الحقوق، صناعة وهابية.

   وشرعنة النظام الملكي الوراثي، صناعة وهابية.

   فهل عرفت الان، ايها السائل، لماذا نقصد الوهابية؟.

   اتمنى ان نكون قد تحسسنا خطر الوهابية، لنهب هبة رجل واحد، لفضحها وكشف زيفها وتوضيح خطرها، والتحذير منها.

   وبهذا الشان اقترح ما يلي كاحترازات مؤقتة لتحجيم خطر الوهابية:

   اولا: الحجر على فقهاء الوهابية، بصفتهم سفهاء، تبوأوا مكانا ليس لهم فيه حق، فافتوا بغير ما انزل الله تعالى ورسوله، فاثاروا الفتنة، وتسببوا بقتل النفس المحترمة، وافسدوا في الارض، فهم مصداق قول الله تعالى البارز {انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا ان يقتلوا او يصلبوا او تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف، او ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الاخرة عذاب عظيم).

   ثانيا: سحب كل فتاوى التكفير، ومنعهم من اصدار اية فتوى من هذا النوع.

   ثالثا: منعهم من التدخل في شؤون الاخرين، واذا كان آل سعود يحتاجونهم في بعض شانهم ليصدروا لهم فتاوى حسب الطلب والحاجة، فذلك شانهم، اما ان يفتوا لغيرهم عنوة ومن غير ان يطلب منهم احد، فهذا امر مرفوض ومستهجن ينبغي ان لا ندعهم يتدخلون فيه، خاصة في الامور التي تعني الشان العام لشعب من الشعوب، والا، هل يسمح آل سعود، بان تفتي المرجعية الدينة في النجف الاشرف مثلا او في الازهر الشريف بمصر بما يخص شؤون المملكة، كأن يفتوا بوجوب رفع الحصار عن المراة في السعودية، او ان يفتوا باقرار تشريع يسمح بالتعددية الحزبية؟.

   رابعا: اغلاق كل المؤسسات التعليمية، على وجه الخصوص، المنتشرة في العالم والتابعة للوهابية، وان تسترت باسماء وهمية وعناوين غير حقيقية، فان هذه المؤسسات مصانع للارهاب يعشعش فيها الارهابيون ويتغذى بها ويرضع منها الارهابيون الفكر التكفيري الهدام الذي يشكل خطرا على الانسانية.

   خامسا: البراءة من الوهابية، افكارهم، فقهاءهم، مؤسساتهم، فتاواهم، وان على علماء الدين الاسلامي وفقهائه الحقيقيين، تحذير الامة من خطرهم، ليفر الناس منهم كما يفر المرء من مرض الجذام او الجدري.

   سادسا: توثيق جرائم الوهابية منذ نشاتها قبل اكثر من قرنين ونصف تقريبا ولحد الان، وفي كل مكان، فان جرائمهم، كما نعلم جميعا، توزعت في الاتجاهات الاربع، ولم تقتصر على بلد دون آخر، خاصة بعد ظهور تنظيم القاعدة الوهابي الارهابي.

   سابعا: توثيق ضحايا الوهابية، كذلك منذ نشوئها ولحد الان، وفي كل مكان، من الناس والابنية والممتلكات والمراقد ودور العبادة والرموز التاريخية والطبيعة، وكل ما تعرض لظلم الوهابية، بشكل او بآخر.

   ثامنا: ترجمة افكارهم الضالة وفتاواهم التكفيرية، ومبانيهم الفقهية الى كل اللغات الحية ليطلع على خطورتها كل الناس في العالم، لان خطر الوهابية، كما قلنا، لا يقتصر على العرب او المسلمين فحسب، وانما على كل البشرية.

   تاسعا: ان على علماء الامة وفقهائها، توضيح معالم الدين الاسلامي الحق، وتوضيح حقيقة ان الوهابيين شوهوا سمعة الاسلام، وغيروا وحرفوا معالمه لدرجة بات فيها الاسلام موصوم بالارهاب والتخلف وانه دين يربي الناس على الحقد والكراهية للاخر، وهو بالتاكيد ليس كذلك.

   ان على العلماء ان يسترجعوا الاسلام الذي اختطفه الوهابيون، فعاثوا فيه فسادا وتشويها وتغييرا، واقول بصراحة، فان الاسلام في خطر، اذا لم يتصدى علماء الامة وفقهاؤها لتوضيح معالمه، الم يقل رسول الله (ص) {اذا ظهرت البدع فعلى العالم ان يظهر علمه} وهل هناك اكثر من هذه البدع التي ابتدعها الوهابيون في الدين الاسلامي؟.

   عاشرا: مراقبة المال العام (السعودي) مراقبة دقيقة وصارمة، اذ لا زالت الملياردات من اموال المسلمين التي يسيطر عليها آل سعود بغير وجه حق، تصل الى الارهابيين بطريقة او باخرى.

   يجب ان يتعاون الجميع في مراقبة حركة هذا المال، حتى لا يصل الى يد من يقتلنا فيزيل البسمة من على شفاه اطفالنا ويدمر بلداننا ويحطم ديننا ويشوه سمعتنا.

   هذه بعض الخطوات التي اراها تساهم في محاصرة خطر الوهابية الى حين، حتى يتوفاهم الله تعالى او يجعل لهم سبيلا، اما الحل الجذري فيكمن، حصرا، في ازاحة آل سعود عن السلطة في بلاد الحرمين، لتنتهي بنهايتهم اسطورة الوهابية وخطرها والى الابد، وليس ذلك على الله تعالى ببعيد.

   وانا اتحدث عن الوهابية، لا يفوتني هنا التذكير بجريمتهم البشعة في سامراء، واقول:

   حقا ان من المعيب جدا ان تمر الذكرى السنوية على هذه الجريمة، ولا زال المرقد المقدس على حاله، لم يعاد بناؤه، واذا كنا نتلفع بالصبر، ونحن نرى قبور بقيع الغرقد لا زالت على حالها من الهدم، لان الوهابية تحكم هناك، فما عذر حكومتنا الموقرة في العراق في ذلك؟ والتي يقولون ان للشيعة فيها صولة وجولة؟ لماذا لم تبن المرقد الطاهر لحد الان، الى متى تظل تتحجج باعذار واهية، لا يقبلها عقل او يصدقها صاحب منطق؟.

   لا تقولوا لي بان مشكلة العراقيين ليست احجارا مهدمة ليعاد بناؤها، فاقول نعم انها مشكلتهم، ومشكلة الامة كلها، فهي ليست احجارا، انها رمز وتاريخ ومقدسات وشرف وناموس، ورمز .

   ان المرقد العسكري، وهو مهدم بهذه الصورة الماساوية، يذكر العراقيين بكل الظلامات التي تعرضوا لها على مر التاريخ، كما انه يذكرهم بالجرائم التي وقعت على رؤوسهم، ما يمكن ان يكون سببا لانفلات الاعصاب من عقالها يوما ما، لتنتقم بصورة عشوائية، وهذا ما لا يقبله احد في العراق.

   لذلك، يجب ان تبادر الحكومة العراقية الى اعادة بناء المرقد العسكري في اسرع وقت، لوضع حد لمشروع الفتنة النائمة، حتى الان على الاقل، وقديما قيل {احذروا صولة الحليم اذا غضب}.

 

   27 كانون الثاني 2008

 

                     

 

 

 

 

 

                                                                                   مواضيع ذات صلة:

 

http://www.taymiah.net/forum/showthread.php?p=381

http://www.ahl-alquran.com/arabic/book_main.php?page_id=10

http://www.okaz.com.sa/okaz/osf/20071201/Con20071201156310.htm

http://www.altwafoq.net/v2/art4080.html

http://www.annabaa.org/nbanews/60/saddam/22.htm

http://www.rafed.net/books/turathona/naqth/index.html

http://www.youtube.com/watch?v=Y-2o7HgeV8U

http://www.mehrnews.com/ar/NewsDetail.aspx?NewsID=526405

http://www.rasid.com/artc.php?id=17664&hl

http://www.rasid.com/artc.php?id=16142&hl

http://www.rasid.com/artc.php?id=14220&hl

http://www.rasid.com/artc.php?id=13987&hl

http://rasid.net/artc.php?id=17800

http://alkatib.co.uk/w1.htm

http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?pagename=IslamOnline-Arabic-Ask_Scholar/FatwaA/FatwaA&cid=1122528623736

http://www.youtube.com/watch?v=9SwmMGLtVdE

http://www.youtube.com/watch?v=7y4Br2J0MZ0&feature=related

http://www.tahayati.com/Politics_News/50.htm

http://www.taghrib.org/arabic/nashat/elmia/markaz/nashatat/elmia/matboat/resalataltaghrib/36/16.htm